أسلوب حياة

مدن استحالت أشباحًا وعالم انقلب على عقبيه.. هكذا غيّر كورونا مجتمعاتنا

شأنه شأن سائر الأعوام، بدأ 2020 وبدأ الكثير منا العمل على تنفيذ قرارات أزمعوا تنفيذها، قرارات من قبيل تكريس بضع أيام أو أسابيع لتخفيف الوزن، وما أسهل أن تقول أنك عازم على إنقاص وزنك 20 رطلًا هذا العام. ثم تكتشف في نهاية المطاف، أن لتغيير نظامك الغذائي والتمارين الرياضية القاسية رأيٌ آخر بعدما غير كورونا المجتمع بأسره.

وظهر فيروس كورونا المستجد (Covid-19) كأول جائحة عالمية منذ الإنفلونزا الإسبانية التي حلت بالبشرية عام 1918. وجاءت النتائج مخالفة للتوقعات، فبلدان مثل تايوان وتايلاند واليابان كان أداؤها أفضل من كثير من دول أوروبا وأمريكا الجنوبية والولايات المتحدة.

لقد انقلب عالمنا رأسًا على عقب، حيث غير كورونا المجتمع وأحدث فارقًا كبيرًا عما كان عليه الحال قبل الفيروس؛ فالسياحة توقفت تمامًا، وصناعة الفندقة تضررت إلى حد كبير، وأجبرت المطاعم على تحويل خدماتها إلى التوصيل المنزلي فقط، ومدن بأكملها استحالت مدن أشباح. إجمالاً ليس ثمة كلمة أفضل من “سريالي” لوصف ما جرى.

رغم حاجتها للأقنعة والتباعد الاجتماعي، فإن معظم البلدان استعادت نشاطها الاقتصادي، ما يدل على أن تداعيات هذا الوباء العالمي ستستمر لأشهر إن لم يكن لسنوات قادمة. لقد حدث ما حدث وليس بوسعنا العودة بآلة الزمن إلى الوراء، فكل ما يمكننا فعله هو التطلع إلى المستقبل.

هكذا غير كورونا المجتمع محدثًا انقلابًا غير مسبوق:

ثمة سؤال يتعين علينا جميعًا أن نطرحه على أنفسنا هو: ما الذي تغير؟ وكيف يمكننا الاستفادة من هذا التغيير؟ حسنًا، لقد تغير الكثير، جميعنا يعلم ذلك، ولكن دعونا أولًا نمعن النظر في الطرق الأربعة التي غير بها Covid-19 مجتمعاتنا:

اقرأ أيضاً: جائحة كرونا.. وباء وفرصة من ذهب

العمل عن بعد:

لا غرو أن حقل الأعمال هو الأكثر تأثرًا بجائحة Covid-19؛ إذ غير كورونا المجتمع وتحول عالمنا من مجرد مكان يتكدس فيه العمال يوميًا في مدن مثل طوكيو ونيويورك وبانكوك ولندن، إلى عالم يتيح للكثير من هؤلاء فرصة مزاولة أعمالهم من منازلهم، الأمر الذي كان سيحدث لا محالة، إلا أن Covid-19 عجل بحدوثه ليس إلا. وإن لهذا تأثير على سوق العقارات التجارية، سيلقي بظلاله على مجمل المشهد التجاري إلى الأبد.

فشركة Pinterest مثلًا دفعت مؤخرًا 89.5 مليون دولار للخروج من عقد الإيجار في سان فرانسيسكو. وهنا يطيب لي أن أتساءل عن عدد الشركات التي ستحذو حذوها.

يجب أن يكون واضحًا تمام الوضوح أن التجارة عبر الإنترنت والعمل عن بُعد صارا اليوم بمثابة الطريق الواجب سلوكه لكل من يولي وجهه شطر المستقبل. لن تختفي صناعة البناء والتشييد، إلا أن الشركات والمقاولين قد يحتاجون إلى إعادة النظر باستراتيجياتهم التجارية للمضي قدمًا والتأكد من أنهم يحققون أقصى استفادة من الفرص المتاحة عبر الإنترنت.

التعليم

شخصياً أشعر بالسعادة كوني أصبحت قادرًا على إمضاء المزيد من الوقت مع أسرتي، وأنا على يقين أن زوجتي تشاطرني ذات الشعور. فقبل مجيء Covid-19 لم يكن لدي الوقت الكافِ لمساعدة ولدي على تحسين لغته الإنجليزية؛ لأنه كان مشغولًا جدًا بممارسة رياضة السباحة ست مرات أسبوعيًا، والتدرب على فنون القتال اليابانية، والذهاب إلى مدرسة للتعليم المكثف، هذا بالإضافة إلى أداء واجباته المدرسية المعتادة، شأنه في ذلك شأن أي طالب ياباني.

لقد غير كورونا المجتمع حيث منحني Covid-19 الفرصة التي لطالما احتجتها، حيث لم يتبق لولدي، حتى ساعة كتابة هذا المقال، سوى فصلين لإتمام قراءة هاري بوتر، الأمر الذي لا بأس به إذا علمت أننا بدأنا بقراءتها منذ خمسة أشهر وحسب.

على مدى سنوات والعديد من أولياء الأمور يشكلون عنصرًا غير فعال في مجمل المشهد التربوي، إذ يكتفون بإلقاء مسؤولية الاهتمام بتعليم أبنائهم على كاهل المدارس. ثم جاء Covid 19 ليجبر هؤلاء على الاضطلاع بدور فاعل، الأمر الذي شكل فضيحة للبعض. من جانبها، احتكرت الجامعات قطاع التعليم العالي وذهب بعضها إلى حد فرض رسوم مثيرة للسخرية. وهذا القطاع بالذات مقبل على تغييرات جذرية، وستذكرون ما أقول لاحقاً.

الأمان

تستمر المدن الكبرى بالنمو بفضل الفرص المتاحة والتسهيلات الهائلة التي تقدمها، وما طوكيو ونيويورك ونيودلهي وبانكوك إلا أمثلة حية على ذلك. لقد ظهر Covid-19 ليلقي بعض الضوء على الجانب المظلم لحيوات أولئك الذين يسكنون في مقتربات هذه المدن. أولئك الذين توجب عليهم الصبر على ضيق المساكن، وارتفاع معدلات التلوث، والاختناقات المرورية، بل وحتى معدلات الجريمة الأكثر ارتفاعًا، كل ذلك في سبيل الالتحاق بمدارس أفضل، والتبضع من مجموعة كبيرة ومتنوعة من المطاعم والمتاجر الراقية، وبالطبع العمل في مكاتب فارهة.

لما كانت مسألة الأمان الشغل الشاغل للكثيرين، فإنني أظنها ستلعب دورًا مفصليًا في الانتخابات الأميركية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وإن الشركات والمدارس كلما ارتفعت قدرتها على إشعار زبائنها بالأمان، ارتفع مستوى أداؤها في المستقبل القريب وهو من ضمن ملامح توضح كيف غير كورونا المجتمع بجميع طبقاته.

النظافة

علمت كيف غير كورونا المجتمع بعدما حدثني أحدهم عن أناس لم يتضرروا بجائحة Covid-19 في الأشهر القليلة الماضية. وكيف ساهم إغلاق المدارس وازدياد استعمال الأقنعة في انحسار العديد من الأمراض الشائعة. وكيف أن نزلات البرد والأنفلونزا والجدري المعروف أنها تنشط سنويًا، لم تكن هذا العام موضوعًا ذا بال. ولك أن تتصور عزيزي القارئ أن حتى تلك الشعوب والبلدان التي لم يعرف عنها أنها تقدم خدمات صحية عالية الجودة تغيرت بين عشية وضحاها.

المصدر: ترجمة لمقال “Four Ways Covid-19 has Changed our Society”، للكاتب Adrian Shepherd، خبير إدارة الوقت الأبرز في قارة آسيا ومبتكر نظام One-Bite لإدارة الوقت.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمار الحامد

مترجم حر وأستاذ لغة إنجليزية من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق