سياسة وتاريخ

مدلول نعت “العصابة” ومدى شرعية إسقاطه رجعيا على أزمة الحكم بالجزائر

انتهت مسرحية رئاسيات الجزائر التي تم فرض شاكلتها ونتائجها بتعيين عبد المجيد تبون رئيسا للجمهورية، وهو الذي أقسم بأغلظ الأيمان يوم كان وزيرا أولا في نظام بوتفليقة أن لا برنامج له سوى برنامج الرئيس (بوتفليقة)، ما يعني أن الانتخاب مسلكا ومآلا وقعت خارج سياق ثورة الشعب المستمرة والمطالبة بتغيير النظام بوصفه آلية إنتاج أزمات السياسية التي سبقت استقلال الجزائر وتوالت إلى غاية لحظتهم الثورية الحالية حائلة دون بناء بلد الإجماع الوطني المؤمن بنهاية وعي الأحادية بوجهيها الفعلي والمتخفي.

بلد يستميت شبابه اليوم في العمل على تحقيقه رغم الإصرار والبطش والتعنت الذي تبديه قوى ما تبقى من النظام القديم مستعملة الأدوات والوسائل العمومية.

هو إذن التاريخ يتململ في الجزائر، يرنو الجزائريون من خلاله التحرر من أثقالهم القديمة التي كبلت انطلاقاتهم إلى الآفاق الواعدة التي حلم بها الملايين من الشهداء الذين سقطوا على مدار قرن وثلاثين سنة من الاحتلال الاستيطاني الفرنسي.

تلك الأثقال التي خلقها الاغتصاب الشللي العصاباتي للسياسة والقانون والاقتصاد، ما أخل بتوازن نمو بُنى المجتمع الاقتصادية الاجتماعية السياسة، وسط كتم عنيف للصوت الآخر وجثوم طويل على صدر الشعب وشبابه وسحق متواصل لأزهار وعيه التي تتفتق في كل مراحل عمر الدولة الوطنية بمختلف الوسائل.

اليوم ثمة على صعيد الخطاب تطور لافت، ربما لم ينتبه له العديد من النقاد والراصدين لفحوى السجال الوطني الذي فجره الحراك الثوري مذ اندلع الربيع الفائت، هو ذلك التحول من لغة الاستتار السياسي إلى التجريم اللفظي داخل بيت السلطة نفسها، وهذا حين وصف قائد الأركان المجموعة الضيقة أو “النواة الصلبة” التي ختمت حكم نظام بوتفليقة بالعصابة، في أخطر وأكبر معنى لنزع أخلاق السياسة عن جزء من النظام من جزء آخر داخله!

السؤال المطروح في ظل ذلك الوصف لجهاز كان يستفيد من تزكية مؤسسات سياسية صورية لكنها تحمل صفة الدولة، هل يمكن الارتجاع إلى بداية الأزمة السياسية في الجزائر التي يختلف اثنان على كونها قديمة ومستمرة مذ أخذت جماعة وجدة (أي جيش الحدود) الحكم، وإسقاط مصطلح العصابة على السلوك السياسي غير التنظيمي وغير الأخلاقي الذي مورس وقتها، وتسبب في ما تعانيه البلد اليوم من شرخ على صعد الأفكار، والأجيال والميراث الثقافي والسياسي الذي تمت مصادرته من وعي الشعب؟

بوادر أزمة الحكم من السياسة إلى الدستور

أولا يجب الإقرار بأن السياق الثوري الذي تداعت لندائه كل فصائل العمل السياسي والجمعوي في الجزائر سنة 1954 كان يفرض منطقه، طالما أن مختلف التشكيلات السياسية كانت قد ارتكبت جرم العمر، تنازلت عن كياناتها الخاصة وقبلت بالذوبان داخل جهاز سياسي واحد (جبهة التحرير الوطني) الذي خلق أدواته العنفية التي راحت مع السنين تأكل السياسي والمدني الذي ينزع عن خطها ولا ينصاع لجبروتها.

من ثم بدأ الخلاف بين العسكري والسياسي المستمر إلى هاته اللحظة، تمت ممارسة الخلاف بالقوة التي في حوزة كلا الطرفين، قوة الشرعية القانونية والتاريخية للسياسي وقوة السلاح للعسكري، وطبعا انتهت بسحق العسكري للسياسي وإعلان عسكرة الوطنية تحت عنوان الشرعية الثوري (لا سياسية ولا وطنية ولا قانونية مؤسساتية) مصطلح فضفاض قابل للتأويل والقراءة الموسعة كما المجتزأة في ذات الحين.

مسار ممارسة “السحق” للصوت المعارض لخط القوة الغالبة (العسكر) في أثناء بداية ارتسام ملامح دولة الاستقلال و ما بعدها، لم يقتصر فقط على السياسي بل حتى العسكري نموذج العقيد شعبني مثلا، ما يعني أن مفهوم الكيان الوطني ووحدته وطبيعته قد اختزلته جماعة (المالغ أي جهاز الاستخبارات وقتذاك بقيادة الباءات الثلاث، بلقاسم كريم، بن طبال، لخضر، وبوصوف عبد الحفيظ) بذاتها، وهي من صادر التاريخ وصادر الاستقلال والوطنية واغتنمت الوطن خارج كل الشرعيات.

أفلا تستحق بذلك أن تُتعت بالعصابة ما سينصف خصومها الذين عانوا من جرائمها واضطهادها؟ قبل أن يتهاوى دورها ليسقط في يد جماعة بومدين التي واصلت مسار “السحق” المستتر لتثبيت نظامها مستعلمة ذات أسلوب العصابة الأولى التي بها قتلت عدة قادة ثوريين سياسيين مثل عبان رمضان، فقتلت (جماعة بومدين) خيضر وكريم بلقاسم و…

ظهور الغطاء الثوري كشرعية خطابية للعصابة

طبعا هنا كان يغيب مصطلح العصابة لكون الصراع كان جاريا وضاريا بين شركاء القضية على غنيمة الثورة، وعليه ظل استعمال أدوات الخطاب الثوري هو الطاغي إعلاميا وسياسيا في ظل افتقار الشعب لوعي اللحظة تلك، وخروجه منهكا من معركة المصير.

فعادة ما كان يستعمل مصطلح الخونة للثورة من هذا الطرف وسرقة الاستقلال الوطني ومصادرته من الآخر وظل الاتهام والتناوش و السجال سياسيا يدور داخل قاموس السياسة، لكن ممارسة كان الأمر منفلتا عن كل الأطر الأخلاقية والإنسانية التي تحتفظ بها السياسة في بعيدها السلمي والحربي حتى، وما الاغتيالات والاعتقالات والتعذيب التي كانت تستعمل بغطاء الوطنية الثورية في سياق جدلي ضدي تخويني بين الطرفين لأجل دليل على ذلك.

انزياح الوعي وبداية التحرر من أسر القراءة الوطنية لتاريخ السياسة

مع انتشار التعليم وامتلاك الناشئة لأدوات القارئة النقدية للتاريخ الوطني، تمدد الوعي وهدد في غير ما مناسبة استقرار العقل السياسي الوطني الذي كانت تفرضه “النواة الصلبة” للثورة المتواصلة في ما بعد الاستقلال مع وقف التنفيذ، وبالتالي بدأ الخطاب الوطني غير الرسمي يتسع نطاق ممارسته شعبيا عبر السخرية الرصيفية، ونخبيا من خلال الإنتاج الفكري المضاد للأطروحة الرسمية للتاريخ السياسي الوطني الذي كان يصدر برغم قوة الرقابة الفكرية التي كانت الثورة المستمرة مع وقف التنفيذ تمارسها بكل الوسائل.

فصارت شيئا فشيئا تُنتزع قدسية الثورة على من حملوها في غيبة الوعي الشعبي، وعاد العقل الوطني يتساءل خارج سياجات ومحددات السؤال الذي كان مسموحا له في عهد الأحادية الشاملة (1962/1988) لتنكشف طبيعة الاغتيالات التي حدثت حول صراع السلطة، واستطاع عقل الناشئة أن يفك الارتباط المفتعل بين مصير الوطن ومصير السلطة الذي كان حُجية في يد مالك أذوات إشاعة الخطاب الأحادي تحت مسمى الحفاظ على الوحدة الوطنية، فتجلت الممارسة العصاباتية بشكل فاضح لكنها لم تستعمل لفظ (العصابة) تصريحا.

العهد الجديد الذي فتحته انتفاضة 05 أكتوبر 1988 التي هي في الحقيقة بداية الربيع العربي الحقيقي كونه أول تمرد شعبي شامل وكامل على سلطة دولة الاستقلال، أعاد من خلاله الشعب تشكيل وجه الدولة ونقلها من أسر الأحادية إلى رحب التعددية، كان لا يزال يحتفظ بزخم الالتزام الوطني عكسه ذلك الانفجار الحزبي الذي بلغ الستين حزبا في ظرف قياسي وجيز، صراع المبادئ والأفكار وحول طبيعة الدولة والهوية، فقد نأى الخطاب السياسي عن التلافي الكلي في استعمال القاموس الأول واكتفى فقط بتجريم السلوك السلطوي، لكن داخل القاموس السياسي مثل استعمال عبارة احتكار الثروة، الاستعمال المفرط للبوليس السياسي، قمع حرية الرأي إلخ…

“اللّبرَلة” الخاطئة وانفجار الخطاب وبروز مصطلح العصابة

بيد أنه ومع بلوغ العملية السياسية مرحلة متقدمة من عمرها التعددي وتجلي أولى إرهاصات سقوط نظام الاستقلال الوطني، عادت “النواة الصلبة” فيما عُرف بالجنرالات اليناييرين نسبة لحركة 12 يناير 1992 التي أوقف فيها المسار الانتخابي، لتستجمع قواها وبناها لتعصف بالتجربة التعددية الفتية في مقتبل عمرها مع تغير في الحجية هاته المرة تماشيا والتغيير في الوعي الوطني وأعلنت عن “اتنقاذ الجمهورية” كشرعية لبادرتها ومشروعها الناقض للمسارين الديمقراطي والانتخابي، ودخلت البلاد في أتون حرب أهلية طاحنة أودت بحياة زهاء 200 ألف شخص تحت مسمى مكافحة الإرهاب.

إلى أن جاء بوتفليقة الذي وظف بخبث كل مثالب تلك النواة الصلبة وأخطائها وخطاياها ووقوعها في مخاطر العصر والتغيير الكبير الطارئ على الوضع الدولي باتساع نطاق قضايا حقوق الإنسان وشاكلة توظيفها دوليا، واتساع نطاق الصورة والصوت مع الإنترنت وفرض بوتفليقة نفسه كشريك لتلك النواة، بيد أنه مع توالي العُهدات التي حكم من خلالها البلد صار ينزع عن تلك النواة مصادر القوة من خلال الأوليغارشية التي اصطنعها من المال العام و المرتبطة بالشركات متعددة الجنسيات الحاكمة في العالم اليوم.

حالت الأوليغارشية تلك محل “النواة الصلبة” (الينايريين) وأخذت تتخذ القرارات السياسية والاقتصادية والمصيرية للأمة في المقاهي الفاخرة بالأحياء الغنية التي استحدثها نظام بوتفليقة في مساره للبرلة الجزائر فوقيا وبناء أرستقراطية طبقية بالمال العام !

حتى إذا ما استفحل فساد تلك “النواة الصلبة” الجديدة الحاكمة بالمال من دون فكر ولا مشروع مجتمع، ثار الشعب عليها في 22 من فيفري 2019، فلم تجد ما تدافع به وتدرأ به عن نفسها خطر غضبة الشعب، بعدما استخفت بالشخصيات الوطنية النزيهة، وهمشت المعارضة الجادة، واستباحت المؤسسات السيادية، أكثر من استعمال العسكر الذي لم يعد بذات التنظيم الذي حطمته هي (النواة الصلبة الجديدة) ولم يعد بذات العقيدة الإيديولوجية الوطنية الأولى.

دخلت إذن في سباق ضد الساعة لإعادة مسدسها الذي غفلت عنه بسبب سكرة نشوة الحكم فلم تهتد إلى ذلك سبيلا ولم يلعب الوقت في صالحها لتزاح بنص الدستور الذي خاطته على مقاسها وتحاكم بذات القانون الجزائي الذي أعدته وتنعت لأول مرة بالعصابة.

نعتٌ سرى بسرعة في قنوات الخطاب الوطني وراح الجزائريون يطلقونه على من دخل السجن من نظام بوتفليقة ومن لا يزال، ما سيجعله مفتاحا لإعادة قراءة تاريخ السلطة في الجزائر ومسار صراعها الدامي والعنيف، بعد سقوط الأيديولوجية الوطنية لنظام الحكم تحت ضربات اللبرلة البوتلفيقية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق