مدونات

مدرسة كورونا.. الوجه الإيجابي لانتشار الوباء

لعل القارئ لعنوان هذا المقال أول ما سيخطر في باله ما علاقة المدرسة بكورونا؟ هذا ڤيروس ووباء يهدد البشر، أما الأولى مفيدة لحياتهم تعلمهم وتنشر بينهم الوعي والثقافة والعلوم وحتى الأخلاق والقيم، وأنا عزيزي القارئ سأوضح لك في هذه الأسطر أن هذا الوباء مع كل ما يحمله من أضرار على المجتمع، فهو كذلك مدرسة راقية بإمكانها إنتاج مجتمع راق ومتحضر.

أولاً وقبل كل شيء، أريد أن أنبهك عزيزي القارئ أن بلدي المغرب الحبيب غالبية شعبه لسانهم عربي وديانتهم هي الإسلام، ولأن هناك تطابقًا وتشابهًا بين أغلب الشعوب العربية والمسلمة، فكلامي موجه للجميع ،كيف لا والتاريخ يشهد أننا أمة واحدة فرقتنا الحدود فقط.

لقد كنا قبل ولوج مدرسة كورونا نعاني من الأمية، أمية في سلوكاتنا واهتماماتنا وأولوياتنا وحتى في علاقة بعضنا ببعض، كانت فئة من أعضاء الحكومة إلا من رحم ربي مقدمين مصالحهم الشخصية على مصلحة الشعب المفروض أنهم يشتغلون لخدمته، إذ لم يكونوا يؤدون واجبهم بأمانة وإخلاص، وهذه خيانة في حق ملك البلاد الذي استأمنهم علينا وكذلك خيانة في حق الوطن، لكن بعد بداية السنة الدراسية في مدرسة كورونا، تعلمت هذه النخبة كيف تحرص على مصلحة الشعب، وأصبحت تشتغل بضمير وتطبق أوامر الملك حفظه الله بمنتهى الأمانة.

قام ملكنا نصره الله و الذي أعتبره هو مدير المدرسة بإنشاء صندوق للتبرعات كان هو أول وأكثر من تبرع فيه، تم تجهيز المستشفيات وإنشاء مراكز طبية جديدة أحدها هو الأكبر أفريقياً، وقامت الدولة بأمر من الملك بمساعدة  محدودي الدخل والفقراء كي لا يموتو جوعًا وهم في حجرهم الصحي داخل منازلهم، أما رجال المخزن بينما كان بينهم وبين الشعب علاقة متوترة وثقة منعدمة بعد مدرسة كورونا، أصبحنا نراهم يعملون ليل نهار لتنظيم الحجر الصحي وفرضه على الناس لأجل المصلحة العامة، مضحين بسلامتهم من أجل سلامة غيرهم، وهذا أدى إلى تغير نظرة الناس إليهم واعترافهم بدورهم المهم في مواجهة الوباء والحفاظ على أمن واستقرار البلاد.

قبل كورونا كانت لدينا بعض المنابر الصحفية لا دور لها إلا نشر التفاهة والجهل عوض الاهتمام بأخبار ومواضيع يمكن أن تشكل غذاءاً ثقافيًا وحضارياً يساهم في تقدم وازدهار البلاد، الحمد لله بعد بداية التعلم في مدرسة كورونا أصبحنا نرى نفس هذه المنابر التافهة تساهم في توعية المجتمع بأخطار الوباء، بل وساعدوا كثيرًا من الناس الفقراء والمحتاجين بلفت أنظار المحسنين إليهم.

قبل تأسيس المدرسة كان كثير من الناس مستهترين بعض الشيء فيما يخص علاقتهم بالله، أما بعد الجائحة رجع أغلبنا إلى الله متضرعين إليه ومترجينه وتائبين إليه، عسى أن يرفع عنا البلاء، بل حتى أن من الناس من بكى تأثراً بمنظر المساجد وهي مقفلة، هذه الأيام فعلًا فرصة لنا لتصحيح علاقتنا بالله ومراجعة أنفسنا وتدارك تقصيرها معه عز وجل.

قبل التمدرس كانت فئة منسية من المغاربة تنام في الأزقة والشوارع، حكمت عليها الأقدار باتخاذ التشرد منزلاً، أما الآن قامت الدولة بإدخالهم إلى مراكز لإيوائهم وأنجدتهم من التشرد والوباء.

قبل المدرسة كان الفقراء يعانون في صمت مع تجاهل الأثرياء والمسؤولين، لكن الآن أصبحنا نرى الناس يتبرعون بالأموال والطعام، بل حتى أن هناك بعض جمعيات الرفق بالحيوان أصبحت توزع الأكل على القطط والكلاب المتشردة؛ خوفًا عليهم من الجوع في هذه الظروف القاسية.

قبل كورونا لم نكن نقدر مهناً كثيرة حق تقديرها، لكن الآن وضحت لنا أهمية عمال النظافة والممرضين والشرطة والدرك والعسكر وحفار القبور لدفن الضحايا وبائعي الخضر والمواد الغدائية في مختلف الأسواق والخبازين.. إلخ.

قبل الوباء كانت الأسرة المغربية تعاني نوعًا من التفرق والتباعد حتى تحت سقف واحد، أما الآن صرنا أكثر تلاحمًا وخوفاً على بعضنا البعض.

إن المتأمل زمن كورونا في الحياة الاجتماعية بالمغرب أكيد سيرى جلياً مؤشرات ولادة مجتمع جديد، مجتمع متضامن قيادة وحكومة وشعباً بكل فئاته، مجتمع واع ومتحضر ومسؤول، مجتمع يسافر نحو الحضارة والرقي، ولو نكمل في هذا السير سنتم بناء المدينة الفاضلة حيث لا جهل ولا فقر ولا ظلم، مدينة في خيال الفلاسفة، لكن من الممكن أن تصير حقيقة بعد مدرسة كورونا.

لقد حاولت عزيزي القارئ أن أشخص لك حالنا قبل دخول مدرسة كورونا وكيف أصبحنا الآن ونحن مازط زلنا نكمل دراستنا، لكن عزيزي القارئ بعد إكمال الدراسة وبعد التخرج بنجاح أي بعد اختفاء الوباء إن شاء الله، سنجد أمامنا سؤالًا جد مهم يطرح نفسه علينا وهو:

هل سنعيش بما تعلمناه في مدرسة كورونا؟ أم سنرجع إلى أميتنا الأولى؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق