سياسة وتاريخ

مخاوف أطلسية: أركان الناتو تهتز ومخاوف من النازيين الجدد

“إذا انسحبت الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلنطي،ستترك فراغاً ستملؤه أنظمة شمولية”، بهذه الكلمات رد الأمين العام لحلف الشمال الأطلسي “الناتو”، النرويجي يانز ستولتنبرج، على قرار سحب القوات الأمريكية من ألمانيا الأمر الذي أدى لإعلان نواب الحزب الديمقراطي في مجلس النواب الأمريكي عن رغبتهم في العمل على سن قانون لوقف قرار البيت الأبيض.

وقرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سحب تسعة آلاف وخمسمائة جندي أمريكي من أصل أربعة وخمسين ألف وخمسمائة جندي أمريكي متواجدين بالقاعدة العسكرية الأمريكية في ألمانيا، وهو قرار فاجأ الحلفاء الأوروبيين وبدرجة أكبر العسكريين الأمريكيين الذين علموا بقرار رئيسهم من وسائل الإعلام. وهنا برز الخلاف بين ضفتي الأطلسي للواجهة مرةً أخرى.

فتلك ليست المرة الأولى التي يتصرف بها سيد البيت الأبيض الخامس والأربعون، بمعزل عن حلفاء واشنطن التقليديين؛ فقد اتخذ ترامب قراراً مشابهاً بسحب القوات الأمريكية المتواجدة في سوريا دون التشاور مع الحكومات الأوروبية، وكانت سبباً لاستقالة وزير الدفاع الأمريكي -وقتها- جيمس ماتيس، لكن ترامب أصر على موقفه.

وبالرغم من الصمت الأوروبي إزاء سحب القوات الأمريكية من ألمانيا إلا أن الشروخ بين الجانبين زادت وازدادت معها قناعات الأوروبيين أن عهد ترامب سيشهد المزيد من الصدامات والتباعد بدلاً من التعاون والتقارب بين الاتحاد الأوروبي وواشنطن منذ الحرب العالمية الثانية.

وأعاد ترامب خلال قمة كارديف يومي الثالث والرابع من ديسمبر 2019، على مسامع الأوروبيين ما طرحه عليهم خلال قمة بروكسل 2018 أن على الاتحاد دفع اثنين في المائة من الناتج المحلي للدول الأعضاء لتمويل ميزانية الحلف الأطلسي بدلاً من تحمل أمريكا نصيب الأسد في هذه الميزانية، وهو ما اعترضت عليه عدة دول في الحلف وفي القلب منها ألمانيا وفرنسا لما يمثله من عبء مالي وإخلال بالتزامات هذه الدول.

يحمل قرار ترامب حول سحب قواته من ألمانيا دلالتين لا تخطؤهما العين:

  • الأول: وجود القيادة الأوروبية التابعة للجيش الأمريكي والمسئولة عن قيادة الناتو في شتوتجارت الألمانية، ومعنى سحب جزء من القوات المرابطة هناك أن الإدارة الأمريكية تنوي سحب قواتها هناك بالكامل في وقت لاحق.
  • الثاني: عقاب الحكومة الألمانية على موقف المستشارة أنجيلا ميركل، الرافض لمطلب ترامب المتكرر بزيادة نصيب برلين من الموازنة الدفاعية للحلف.

وقد قرأت الأمانة العامة للحلف تلك الرسالة الأمريكية غير المباشرة، فجاء التحذير من النتائج المترتبة على قرار واشنطن بخصوص سحب القوات الأمريكية من ألمانيا والذي يستهدف الإضرار بالقارة العجوز.

فمنذ إنشاء الناتو احتفظت أمريكا في قواعدها العسكرية بدول الحلف بأسلحة نووية لردع أي هجوم سوفيتي، وقرار سحب القوات الأمريكية من ألمانيا سيعني ترك الدول الأوروبية فريسة لخصومها من ناحية. ومن ناحية أخرى، وتلك هي النقطة الأهم، إفساح المجال لروسيا للتمدد في أوروبا كما سعت القيصرية الروسية ومن بعدها الاتحاد السوفيتي لتحقيق هذا الهدف وهو النظام الشمولي الذي أشار له ستولتنبرج في حديثه، هذا أولاً.

أما ثانياً، فهو تفكك الحلف ليصبح من آثار الماضي، فدول شرق أوروبا التي انضمت للحلف طمعاً في حماية واشنطن من ابتلاع روسيا لها ستترك الحلف تلقائياً بعدما تسحب واشنطن حمايتها لهم.

وأخيراً زيادة النفوذ الفرنسي المرفوض من عدة دول أوروبا، في القلب منها بريطانيا، وتغول ألمانيا، بما قد يعيد لأوروبا التجربة النازية المريرة.

يحبس الأوروبيون أنفاسهم انتظاراً لانتخابات نوفمبر القادم؛ في مسعى إما لاستبدال الإدارة الأمريكية الحالية بإدارة أكثر عقلانية، وإما المضي في طريق تفكك الحلف بسرعة الصاروخ.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق