ثقافة وفنون

محنة الإنسان بين التفسير العلمي والتوظيف الديني

الإنسان هو ذلك الحيوان الموصوف بأنه؛ ضاحك، مفكر، اجتماعي، عاقل، سياسي، مدني بطبعه.

فمن الناحية الفسيولوجية؛ لا يزيد الكائن الحي عن مجموع أعضائه التي يتكون منها، وهو بهذا البعد المادي حيوان أو نبات، ويجيء الإنسان على رأس الكائنات الحية لا بوصفه إنسانًا بل بوصفه حيوانًا منتصبًا؛ حجم مخه أكبر، ويستعمل يداه بمهارة في صنع الأدوات، لكن الإنسان يمتاز عن بقية الحيوانات بأنه أكبر من مجموع أجزائه بالفعل، فالشاعر مثلًا يميزه شيء ما بخلاف المخ والقلب وسائر الأعضاء التي توجد في مملكة الحيوان وعلى رأسها الإنسان الطبيعي غير الشاعر.

ببساطة لا ينتظر من القردة العليا أن تنظم الشعر لمجرد أنها حيوانات منتصبة، حجم مخها أكبر من بقية حيوانات المملكة عدا الإنسان، وتجيد -نوعًا ما- استخدام يديها؛ إذ ينقصها ذلك البعد المعرفي الذي نسميه مجازًا “العقل”، بكل ما تعنيه الكلمة من عمليات الوعي والإدراك والتفكير والذاكرة والقدرة على استدعاء التاريخ والاستفادة منه، هكذا يترقى الإنسان ويختلف عن مملكة الحيوان في النوع لا في الدرجة فحسب، ثم يضاف إلى ذلك الملكة التي تجعل من الإنسان العادي فنانًا.

لدينا إذن طريقتان لتوصيف الإنسان؛ الأولى، وصفه بشكل علمي طبيعي وموضعته في مكانه التطوري على رأس مملكة الحيوان (البعد المادي).

والثانية، وصفه بشكل أدبي مجازي بما يخرجه من هذه المملكة الحيوانية، ويجعله نوعًا قائمًا بذاته مختلفًا عن بقية الأجناس (البعد الإنساني).

ولكن، ما الذي يضفي على هذا الكائن الحي بُعده الإنساني الذي يميزه عن الحيوان؟ إنها الثقافة.

الثقافة بمعناها الواسع هي المظلة الجامعة لمعارف الإنسان، وبناء عليها يسلك في الحياة سلوكًا بعينه، وهذه المعارف المتراكمة منذ وعى الإنسان مكانه على هذه الأرض، ابتدأت بالسحر والأسطورة وانتهت بالعلم والدين، على أن بقية من الأصول ما تزال سارية لا يخفى أثرها في الثقافة الإنسانية إلى اليوم.

بناء عليه، يمكن أن نصف الإنسان وصفًا مختصرًا يميزه عن غيره فنقول: ” الإنسان حيوان مثقف”.

ومن أثر الثقافة -التي هي طابع إنساني- ما نراه من اختلاف التفسير عند النظر إلى المحن والكوارث، فهناك طريقتان لتفسير الكارثة؛ إما توصيفها كما حدثت بشكل طبيعي دون إضفاء البعد الإنساني المجازي عليها، وإما توظيفها أيديولوجيًّا والنظر إليها بمنظور إنساني شخصي نابع من تأثير الثقافة والبيئة وظروف الاجتماع.

ولنضرب لذلك مثلًا، السبي البابلي لبني إسرائيل وتخريب الهيكل سنة 587 ق.م، فالوارد تاريخيًّا -على أنه لا شيء يثبت من ذلك بشكل قطعي- أن نبوخذ نصر بنى إمبراطورية عظيمة قضى بها على مملكة أشور بعد سجال تاريخي بين الدولتين، واستولى على أراضيها وعلى الأراضي التي كانت تحت سيطرة مصر القديمة، وبإيعاز من مصر أعلنت بعض الممالك عدم خضوعها لبابل، وامتنعت عن دفع الجزية، ما أثار حفيظة نبوخذ نصر فاجتاح تلك الممالك ومن بينها أورشليم عاصمة مملكة يهوذا، وسبى يواقيم ملك يهوذا، وأقام عليها ابنه صدقيا الذي ما لبث أن ثار بدوره مدعومًا بالمصريين، فما كان من نبوخذ نصر إلا أن حاصر المدينة وأحرق الهيكل وسبى حوالي عشرة آلاف من مملكة يهوذا واقتادهم إلى بابل، هذا هو التوصيف التاريخي السياسي للحادثة.

أما التوظيف الديني فحدث نتيجة الاغتراب الشديد الذي عاناه اليهود في الأسر والضياع الروحي الكبير الذي أحسوه نتيجة تدمير الهيكل، فقاموا بتوصيف الحادثة على أنها غضب من يهوه إلههم المحلي الذي تخلى عنهم لعصيانهم، وسلط عليهم نبوخذ نصر لينتقم منهم فدمر هيكلهم، وقد كان بيت يهوه الذي بناه الملك سليمان ليعبدوا فيه الرب بعد أن كان يرتحل معهم في خيمته إبان عصر الشتات، لقد وعدهم إلههم يهوه أن يعيشوا في أرضهم إلى الأبد إذا هم عبدوه وحده، لكنهم لم يحفظوا موثقهم معه وعبدوا آلهة أخرى كبعل وعشتار، متأثرين كعادتهم بحضارة جيرانهم؛ ولذلك افترض بعض المنفيين أن تصحيح الوضع يجب أن يكون بالعودة إلى يهوه.

كان هذا التوظيف الديني نزوعًا إنسانيًّا من اليهود إلى الخلاص وأملًا بالعودة إلى الهيكل؛ المعادل الموضوعي لجنة عدن على الأرض.

إن إعصار تسونامي الشهير الذي ضرب سواحل إندونيسيا مثال صالح كذلك على اختلاف التفسير باختلاف المنظور، فمن وجهة نظر الطبيعي هو إعصار ناتج من تأثير تصادم الصفائح التكتونية نتج عنها زلازل قوية للغاية شكلت هذه الأمواج العالية، المتحركة بقوة في اتجاه معين، ومن منظور ديني يراه البعض عقابًا من الله نزل بأهل هذه البلدة؛ كونهم بغوا ولجوا في طغيانهم، وفيه نذير لهم بضرورة العودة إلى الطريق المستقيم للخلاص من هذه الكارثة.

وهكذا كل توظيف ديني فإنه يهدف إلى الخلاص من وضع كارثي لأصحابه أو الأمل في تحقيق غاية لهم، ومن ذلك ما نراه من اختلاف التفسير لوباء كورونا بناء على اختلاف المنظور إليه، فمن وجهة نظر العلم الطبيعي لا يعدو أن يكون هذا الوباء فيروسًا متطورًا من عائلة الفيروسات التاجية المعروفة بكورونا، أطلق العلماء عليه اسم كوفيد 19، انتشر نتيجة سلوك بشري خاضع للتوصيف والتجريب والتهذيب والمعالجة، والفيروس نفسه يخضع لكل ذلك، فهو في النهاية داخل نطاق العلم البشري كسائر الأوبئة التي مرت على البشرية وتعامل معها الإنسان بشكل طبيعي، بغض النظر عن إضفاء البعد الإنساني الثقافي عليها، من خلال توظيفه بشكل فني كما فعل ألبير كامو في روايته “الطاعون”، أو ديني على أنه جند من جنود الله وآية من آياته ينبغي استلال العبرة منها.

فآكل النمل الحرشفي أو الخفاش أو غيره من الثدييات كالجمال في صحراء الجزيرة العربية التي تعتبر عائلًا نمطيًّا لأحد أفراد عائلة الكورونا المعروف بفيروس “ميرس”، هذه العوائل تتعامل مع الفيروسات بمنطق الصراع من أجل البقاء ولا يقيدها مجاز اللغة، بيد أننا نسقط في فخ المجاز عندما نسمي العلاقة بين هذه الكائنات بالصراع ولا نستطيع أن نتجاوز موروثنا الثقافي الذي نضفيه على الظواهر من حولنا، فالحادث أن الفيروس الذي تعايش مع بعض الخفافيش لعصور طويلة اقتُحم عالمه وحدث له تحور جيني؛ ما جعله قادرًا على استيطان عوائل جديدة، وكان الإنسان هو ذلك العائل، ولأن الفيروس المتحور كانت شفرته الجينية جديدة لم يستطع الجهاز المناعي للإنسان التصدي له، فأصاب الخلايا ونسخ نفسه كالعادة، ثم انتشر في صورة وباء اجتاح العالم، ثم عملت الثقافة عملها فصورت الوباء على أنه مبعوث من الله لأداء رسالة ما فهمها من فهمها.

كان يمكن لبني إسرائيل أن يدفعوا الجزية ما داموا لا طاقة لهم بجيوش نبوخذ نصر ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، ثم يعيدون حساباتهم مع يهوه، على أن تلافي المحنة ربما كان سيحرمنا من هذه النسخة المحررة من العهد القديم، وربما تغيرت ثقافة الإنسان عما هي عليه اليوم.

وكذلك يمكن لقاطني المناطق المتاخمة لحزام الزلازل والبراكين إذا باغتتهم الموجات الأولى من تسونامي أن يتضرعوا إلى ربهم، ويراجعوا صحيفة أعمالهم، وينظروا إلى بوادر الكارثة على أنها رسالة من الرب إليهم؛ فهم بذلك يمارسون السلوك الإنساني المميز لهم عن عالم الحيوان، لكن ذلك لا يعني أن يغضوا الطرف عن رسالة الطبيعة الممثلة في قوانينها، بل عليهم أن يغادروا المناطق الساحلية المنخفضة سريعاً، فإن الموجات الأولى من تسونامي تكون خفيفة ثم تتلوها موجات مدمرة، ليستجيبوا على الأقل لغريزة البقاء التي يشارك الإنسان فيها بقية أعضاء المملكة الحيوانية.

على كل حال لا يضير الدين تفسيرُ المحنة بطريقة علمية، فالعلم لا يثير الأسئلة الوجودية التي تثيرها الثقافة ومنها الدين والفنون، كذلك لا يضير العلم توظيف الوباء دينيًّا، شريطة أن لا يكون ذلك بشكل أسطوري يكبل عمل العلم، ففي النهاية يمكن الجمع بين التفسيرين؛ لأنه لا تعارض بين عمل الدين وعمل العلم، فتكامل العملين معًا يشكل الإنسان الذي هو أكبر من مجموع أعضائه.

mohamed elfar

محمد علي الفار، باحث ومراجع لغوي بالعديد من دور النشر، تخرجت في كلية الآداب جامعة المنصورة قسم اللغة العربية، مواليد أول مارس 1980، أعمل بدار الإفتاء باحثا لغويا وإعلاميا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى