ثقافة و فنون

محمد شكري.. كاتب مغربي عَرَّى الأدب للقارئ!

كعادتنا نحن العرب، كلما رأينا شخصا يحمل كتابا احترمناه و وقرناه، لكن الحقيقة، أن جزء كبيرا من القراء قد لا يكونون في مرتبة الوقار، وهذا ما تسبب فيه محمد شكري .

من يعرف شكري و كتاباته، سيدرك أساسا مغزى قولي أن عددا كبيرا من القراء المزوون في أركان المقاهي مع كتبهم، لا يكونون دائما أمام نصوص ثقافية أو فنية وروائية، لكنهم أيضا قد يكونون في حضرة “نصوص جنسانية” تعَرّي الجسد و تتكاشف تضاريسه، وكل هذا حقا بسبب شكري .

هذا التقديم المغري، و المجحف نسبيا في حق رجل “الخبز الحافي” لا بد ان يولد لديك رغبة في معرفة من هو شكري هذا في حالة ما لم تكن قد قرأت له أو عنه قبل اليوم، وهذا ما سأحاول استعراضه لكم عبر هذه المقالة .

ولد محمد شكري في ريف المغرب سنة 1935 من أسرة عنوانها الفقر و التهميش و سوء القدر، كان أباه سكيرا لا يجيد من الدنيا سوى ممارسة الجنس و مقارعة الخمور، أما والدته فكانت شابة تفتح ساقيها للضرب و العصى صباحا من زوجها، و تتركهما مفتوحتين ليلا لزوجها أيضا، هكذا جاء شكري إلى الدنيا، وسط كل هذا العبث، و الضجيج، نعم الضجيج، ضجيج إخوته الصغار القادمين للدنيا دون رغبة .

شاءت الأقدار أن ينتقل هذا الطفل الذي سيصبح فيما بعض أحد أشهر الروائيين العرب في العالم، إلى مدينة طنجة عروسة شمال المغرب، حيث سيتعلم التسكع، ومقارعة الخمور و تعاطي المخدرات، وستمضي به حياة التشرد هاته إلى غاية مطلع العشرينات من عمره، حين سيكون الشاب الريفي قد نال من حياة الليل و الأزقة الباردة حظه، وشهد بأم عينه كيف خنق أباه أخاه الأصغر حتى لامس وريده فغادر نحو خالقه، وكيف كانت أمه تطبخ الدجاج الميت وبقايا الخضر المرمية بحاويات القمامة .

شكري هذا، هو الذي لم يتعلم القراءة ولا الكتابة إلا حينما أصبح بائع جرائد يسعى لجمع “دريهمات” يبلغ منها ثمن معاشرة عاهرة من عاهرات “بورديلات” المدينة القديمة بطنجة، وكان هذا كل همه، لا حاجة له بالافتتاحيات، ولا مقالات الرأي، ولا المقالات السياسية، ولا حتى المقالات الرياضية، بكل كان يحفظ أسماء الجرائد فقط كي يبيعها و ينال بثمنها لذة ممارسة الجنس .

بعد أن ارتمى في حضن كل مصائب و كوارث الدنيا، اختار “مجنون الورد” أن يبتعد عن طنجة، و يتجه نحو مدينة في الجوار، كي يتعلم القراءة و الكتابة، عندما وجد نفسه يوما يعيش دون معنى، وهذا ما كان إلى أن أصبح صاحب مقولة “أنا إنسان عاش التشرد، وأكل من القمامة، فهل ينتظرون مني أن أكتب لهم عن الفراشات؟” رجل تعليم، نعم رجل تعليم، بعد أن تعلم كتابة أول حرف وهو في الواحد والعشرين من عمره، ومن هنا انطلقت مسيرة أشهر كاتب روائي في تاريخ المغرب .

شكري لم يكن روائيا عاديا، بل كان ظاهرة لا أعتقدها تتكرر ولو بعد قرون، برواية واحدة، وهي روايته البكر، أضحى الرجل إسما يتداول على لسان الجميع .. “الخبز الحافي” رواية ألفها شكري ليحكي عن نفسه، عن معاناته، عن طفولته و عن حياته، فتعرضت للمنع، و بقيت كذلك لسنوات، إلى أن اكتشفت “الرقابة الخفية” أن شكري لم يقم سوى بإزاحة الوشاح عن القضايا المخفية حقا و عراها، وهكذا انفجر الجدل الذي رافق شكري إلى مماته، و هو جدل “رجل الأدب و الجنس”، حيث أن شكري وفي سيرته الذاتية التي تضمنت ثلاث أجزاء هي ” الخبز الحافي – زمن الأخطاء – وجوه” لم يقف أمام الجنس في حياته كطابو، بل تعامل معه كمادة دسمة للكتابة الروائية، و هكذا ارتفع إسم شكري في سماء الأدب كرجل عَرَّى حميميته للقارئ .

“زمن الأخطاء” “الشطار” “غواية الشحرور الابيض” “زمن الأخطاء” مجنون الورد” “السوق الداخلي” .. كلها أعمال، أصل فيها شكري لمرحلة جديدة من الأدب، أدب يتفاعل مع الواقع و يتجاوز منطق التنظير و الافتراض، وساهم في وضع أسس حركة واقعية أدبية في المغرب لم يكن لها لتكون لولا جرأة القائل “بالمال يمكنك أن تنكح كل العالم” .

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Oussama Bougrain

طالب صحفي و مدون من المغرب أجمع في تكويني الأكاديمي بين الصحافة و القانون .

‫2 تعليقات

  1. تحياتي لسردك الادبي وتعريفنا بهذا الديب الكبير،،اعتقد ان ثقافة تعليم الذات عادة ما تفرز أدباء بنكهنة الحياة،،اعتمدوا علي أنفسهم في التثقيف والتعليم فكاوناابناء الحياة والشقاء الإنساني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق