مدونات

«محلاها عيشة الفلاح».. في الريف أساطير وكرامات الحب يجمعها

رحلة تأمل في الطبيعة، في ممارسات الإنسان، في خرافات الريف التي أصبحت مسلمات لا يمكن التشكيك فيها. فمع تصاعد درجة حرارة الصيف ومحاولة مني لاستغلال آخر يوم لي هنا في هذه الأرض والاستمتاع به، قررت أن أشد الرحال إلى المنبع الذي يمد سكان المنطقة المكونة من ثلاثة دواوير ومداشر صغيرة بالماء الصالح للشرب الأدمي.

رغم اختراق مجرى مياه المنبع في جدول للدوار إلا أن النساء هن من يعول عليهن في جلب الماء للمنزل من خلال حمل قنينة مياه (30 لتر) فوق ظهورهن لمسافة قد تصل لربع ساعة في طريق غير مستوي. المرأة هي عصب الحياة في المجتمع القروي ومن أراد أخذ الدروس في الصبر والتضحية فليأخذهم منها.

وتعد الماشية وعمليات الري للمزروعات أيضًا عصب الحياة في المجتمع الريفي، فمنذ قديم الأزل وهذا الماء يخرج من هذا الغار ولم يستطع أحد أن يكشف سره أو يحدد وقت انبعاثه من باطن الأرض، لكن كل ما يدور حوله هو مجموعة من خرافات الريف والأساطير تحكيها نسوة القرية في ليالي الصيف أثناء اجتماعهن للسمر تحت ضوء القمر.

يقولون إن الغار حُفر بمعجزة ويربط بين منطقة “بني بربر” (التي تبعد عن تبرانت بـ6 كيلومترات منطقة قريبة من الحدود مع الحسيمة) ومنطقة “مرنيسة”، وتقول الأسطورة وهي إحدى خرافات الريف أن ديكا دخل من فوهة الغار من جهة بني بربر ووصل في النهاية للجهة الأخرى مرنيسة، لكن كل الأمور تظل قابلة للتأويل والتفسير.

ومن الأمور الغريبة التي تحصل في المنبع هو طلب النساء للزواج في حضرته؛ إيمانًا منهن أن ولي صالح اسمه سيدي علي بن داوود، هو صاحب هذه الكرامات المتمثلة في الماء المعدني الطبيعي والكهف.

تعلق هؤلاء النسوة أجزاء من ثوب فوق شجرة قرب فتحة الغار، أو يدخلون داخل الكهف ويسمعون للفأل، فإذا سمعت صوت كسر قالب سكر أو زغاريد فآنذلك تفهم الفتاة العزباء أن الزواج سيطرق بابها قريبًا، لكني لم أسمع بزواج إحداهن من قبل بسبب هذه الطقوس ربما لأني لا أتتبع سيرورة هكذا أمور ولم تتسن الفرصة بالسؤال عنها.

من ضمن خرافات الريف ممارسات غريبة وتغيرات جذرية تحدث في تركيبة الديمغرافية للدوار، فعجائز القرية اللائي كن يقصصن على مسامعنا القصص والخرافات حينما كنا صغارًا مات أغلبهن، وحينما مررت أمام منزل إحداهن يوم العيد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت وتذكرت جلسة تلك المرأة العجوز أمام باب منزلها تتبادل أطراف الحديث مع جيرانها.

تذكرت أيضًا أنني سأحتضن التراب يومًا ما ولن أرى بعيني الطينية بل سأرى بعين نورانية تلك العين التي أتمنى أن أرى بها الآن مادمت حيًا تلك التي يمتلكها الخاصة أولئك التقاة الذين جاد الله عليهم بقبسة من نوره.

كانت تلك المرأة العجوز التي تجلس أمام منزلها لتتبادل أطراف الحديث مع جيرانها، بمثابة الطبيبة الشعبية للدوار يقصدها الكل للتداوي من العين والحسد وأمراض أخرى لها أسماء غريبة إلى حد ما، كنت أنا أيضًا من زبنائها حينما كنت صغيرًا، ولا أبالغ إن سميتها “نجمة الطب الشعبي” في المنطقة.

ويرتكز ذلك الطب على حمل الطبيبة في يدها غطاء رأس كيفما كان والقيام بحركات شبه رياضية على رجلها وهي جالسة، وتلاوة خرافات الريف وطلاسم لن تستطيع تفسيرها إلا بشق الأنفس! على العموم أنا لا أناقش مدى مشروعية هذا التداوي من عدمه لإنني تعلمت من الحياة أنا قناعاتي تخصني وأن الاختلاف رحمة.

حينما كنت أدخل في نقاش مع تلك العجائز وأطعن في ممارسات تقبيل الأضرحة وتعليق التمائم على المولودين حديثًا، كنت أتهم بالعصيان وأن لعنة الأولياء الصالحين ستحل بي!؛ ولذلك قررت أن ألغي ثنائية الحلال والحرام في نقاشي مع أهل البلدة حتى أستريح من النقاش المسدود الطريق، فالله هو المكلف بمراقبة خطايا عباده وبالنسبة للأشخاص الذين يركنون إلى مسألة تغيير المنكر للجدال مع هؤلاء الناس، أقول لهم أن تغيير المنكر درجات ونحن في هذا الزمان لا نملك إلا تغييره بالقلب فقط وإلا فتحنا النار علينا.

ما يثير استغرابي إلى حد ما، هو أن المنبع رغم فترات الجفاف ورغم كل الظروف مستمر في ري الإنسان، هذا الأخير الذي استبدل منذ دخول الألفية الثالثة زراعة القمح والذرة بزراعة من نوع آخر، فلم تحل لعنة الله على أهل البلدة بل نمت حياة بعضهم بسبب هذه الزراعة وأصبحوا بعضهم من الميسرين، لكن تصاعدت ظاهرة إدمان الشباب.

ممارسات أخرى تعد من قبيل خرافات الريف تطفو على السطح؛ فالتاريخ يعيد نفسه من جديد والاضطهاد الذي تعرض له جيلنا والأجيال السابقة حين التحاقه بالمدرسة لا زال يتعرض له الجيل الحالي وإن بحدة أقل.

كما هو معلوم، أن المنطقة مقسمة إلى ثلاث دواوير كبرى في تسلسل هرمي يوجد دوارنا في النقطة السفلى، ولهذا السبب جرت تسمية الدواوير المجاورة باسم (الفوقيون)، أي المتواجدون فوق. حينما كنا صغارًا كانت مغامرة كبرى أن تذهب إلى المدرسة فأنت ستتصارع مع زمرة كبيرة من الكلاب الضالة في الطريق التي تطاردك، وتصطدم بأبناء الدواوير المجاورة يرمونك بالحجارة بدون سبب يذكر سوى عقد متكونة لديهم منذ ماض سحيق حينما كانت الدواوير الثلاث تعيش حربًا ضروسًا حول مصالح متعارضة.

يجب تجاوز خرافات الريف وترسبات التاريخ لعيش حاضر مستقر ومستقبل زاهر، الصراع كان أيضًا مع الحمقى، حيث كانت الأسطورة تقول أن أحمقًا يخطف الأطفال الصغار يتجول بالطريق المؤدية إلى المدرسة مساءً، كانت الساعة الخامسة في أمسيات الشتاء الباردة بمثابة ساعة الصفر لإعلان حالة الاستنفار.

كنا نجمع كافة أبناء وبنات الدوار لنتحد ونتوجه للدوار مجتمعين خوفًا من أسطورة الأحمق المسمى باسم لعبة شهيرة، كنا لا نسلك نفس طريق المجيء لأن الحجارة ستشق رؤوسنا فأولئك الأطفال يصابون بهستيريا الضرب بالحجارة على البشر والحيوانات الأليفة كانت أيضًا ضحية لجبروتهم.

وكنا نخترق الخلاء كطريق بديل للاختفاء بين الأشجار (مناطق مغطاة بأشجار الزيتون)، كنا نقوم بالجري السريع وكأننا في ماراثون، كنت أحس بقلبي يضرب نبضات سريعة جداً، لربما بل أكيد بسبب الخوف من أحمق لم نره قط في حياتنا، لربما كان حقيقة لكن أن تعيش جزء مهم من طفولة في خوف متوقع أمر يدعو للغرابة فالأمر كان يتكرر يومياً.

سأختم حبًا في الختام رغم أن الكلام والنقاش لم ينته، أحب أن أشكر كل من ساعدني في إخراج هذا المقال إلى حيز الوجود، أشكر المنبع، أشكر الظواهر التي شاهدتها أثناء رحلة المنبع والتي فجرت طاقة الكتابة داخلي، شكرًا لكم جميعًا وأشتاتًا. أختم قولي بأننا نحتاج إلى ثورة الحب في مجتمعنا فكل الظواهر وممارسات خرافات الريف التي رصدتها في المقال مرتبطة بالحب.

مثلًا العجوز “نجمة الطب الشعبي” كانت تداوي بالحب لأن المقابل التي كانت تتقضاه يترواح بين بيضة وبضع دريهمات حسب جود وكرم المريض، أما الفتية الذين يرمون الحجارة على أقرانهم من الدواوير الأخرى دون وجه حق فهم يفتقدون حقًا للحب، فلو أحبوا إخوانهم وأخواتهم التلاميذ والتلميذات لما رموهم بالحجارة وشتموهم.

نحتاج تدريس الحب في مدارسنا ،أن نعلمهم كيف يعيشون بالحب، كيف يحبون أباءهم وأمهاتهم، كيف يحبون إخوانهم وأخواتهم. الحب هو سر الوجود، حب الله يدفعك لعبادته، حب الحياة يدفعك للاستمرار في العيش، حب الوطن يدفعك للتضحية في سبيله.

اقرأ أيضًا: الوسية اليوم: الفقراء يسيرون مع القطيع نحو الهاوية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق