ثقافة وفنون

محكي السّفر في رواية ” شوهد من قبل” لحسام الغزالي

 رواية ” شوهد من قبل” لحسام الغزالي

إن رواية ” شوهد من قبل ” هي نموذج للكتابة الواعية بالذات الكاتبة وبالنّص وبالقارئ الواعي معًا، إنها مرتبة يصعب بلوغها في الكتابة ما لم يكن الكاتب مدرِكًا لخطّته فيما يكتب.

خطةٌ أجدها متقنة من عدة نواح؛ أوّلها كون الكاتب لم يتورّط فيما يكتب بشكل يوحي بالذاتية، أو الرأي المطلق للسارد، هذا من جهة، ومن ناحية أخرى كونه وضع بطريقة مباشرة قارئهُ أمام الأمر الواقع، و هو ضرورة تثقيفه ورفعه ليكون قارئاً بكل المستويات، ضمنيًا تارة، ومثاليًا تارة أخرى، وعاديًا تارة ثالثة.

إنها الرواية الأولى التي أقراؤها في الأدب العربي بلغة عربية وأستطيع أن أرشّحها دون تردّد لمن يبحث عن رواية نفسية تغور بحثاً في أعماق النفس، بل تتعداها إلى الروح التي لا يغامر إلا قلة قليلة جداً في محاولة فهمها.

المعرفة والألم والزمن، مفاهيم يصعب تناولها في زمن طغت فيه المادة والعلوم المادية على حساب العلوم الروحية، وبات ضربًا من الخرافة أحيانًا لدى الكثيرين ليفتح باب النقاش حول هذه المضامين التي هي جوهر المساعي العلمية الحثيثة منذ فجر البشرية.

بين العلم والمعرفة تقف رواية حسام الغزالي هذه، لتثبت مرة أخرى قصور النفس عن المعارف، وضرورة ولوج عالم جديد، هو عالم الروح، ومعرفة الذات من خلال الأحلام، التي وصفها الكاتب أنها نافذة ومرآة على أعماقنا ودواخلنا.

صحيح أن الجوانب الفنية للكتابة افتقدت نوعًا ما إلى الصنعة اللفظية الأدبية، وربما هذا ليس من صميم أهداف هذا النوع من الروايات، لذا يمكن اعتباره نقطة أخرى تضاف لصالح العمل، وربما هي مرحلة جديدة للرواية العربية الحديثة، تتخلى فيها عن الصنعة اللفظية التي غزت الرواية كما غزت من قبل الشعر.

لن تكون هذه الرواية مجرد كتاب على الرفوف، بل أكاد أجزم أنّه لو لم يكتب إلا هذا العمل لكفاه، و ليس هذا من باب المجاملة و إنّما سيورد المقال التالي أهم ما يجعل هذه الرواية تمثّل مؤشراً جيداً لتحوّل أساليب الكتابة، لما يشترك فيه الكاتب والنّص والقارئ في إنتاج الوعي بالذات، انطلاقًا من الأدب.

يلتقي التحليل العلمي المبني على أسس يلتقي فيها علم النفس الحديث بشقّيه الكلاسيكي والجديد مع علوم اللغة والفيزياء والفلسفة والتاريخ والانثروبولوجيا، وهي بالتالي نقطة التقاء بين ما هو علمي بحت وما هو أدبي من صنع الخيال.

فيحيلنا هذا إلى ما يذهب إليه الناقد الفرنسي “بيير بيار” في أعماله النقدية، خاصة في وصفه لمحكي السفر، الذي يُفتَرَض أنه لا يقول إلا الحقيقة والواقع، لكنه في الواقع ليس إلا مجرّد خيال.

يمثّل عنوان الرواية “شوهد من قبل” إحالة نصّية مباشرة إلى حقل التحليل النفسي، ثم نجد تلك الومضة التي تلقي مباشرة ومن البداية خيطاً لا شعوريًا للقارئ ليدخل عملية الكتابة بإرادته أو دون إرادة، وهنا يلعب الكاتب على لاوعي القارئ، وهنا تحديداً يجد القارئ نفسه أمامه خيارين، وكما يقال: “إنّ من يملك خياراً واحداً فهو بلا خيار أصلاً، بينما من يملك خيارين فهو في مأزق، وأنه وحده من يملك أكثر من ثلاث خيارات يمكنه النجاة”.

وهنا يقول الكاتب فيما يمكن تسميته بومضة البداية: “هذا الكتاب برمّته يعود إلى المجهول، فلن تصدّقوه”.

وبين أن تصدّق الكاتب أو أن تصدّق النّص تكون قد دخلت كقارئ في لعبة سببها لك هذا الاستفزاز لتنهي أو تتوقف عن القراءة.

ملخّص الرواية: “برهان” الذي أنهى دراسته الجامعية بتفوّق، يسافر إلى الكويت في رحلة بحث عن وظيفة وإقامة دائمة ككاتب وصحفي، في الطائرة يراوده شعور بأن ما يراه قد سبق له أن عاشه في زمن مضى،  برهان هو ابن “شمس” وأخ بلال وسمر، عائلة هجرها الأب (حسب ما حكت لهم الأم)، وأكملت حياتها دونه، صديقٌ ضمن شلة من الأصدقاء في الجامعة، أهم أفرادها حبيبته “صوفيا”، و آدم جاره وصديق طفولته، وسارة.

لكن في الكويت يتعرّف على “سيمان” الفارسي، واسمه حقيقة “سليمان” حذفت منه اللام، رجل خمسيني طيّب وذو دعابة يتكلم العربية والفارسية بطلاقة.

تتكوّن بين “برهان” و”سيمان” علاقة تتوطّد يوميًا بفضل حبّ كليهما للمعرفة، وأنّ له الكثير من الوقت، الذي يشغله إلى جانب عمله بالقراءة ودعوة الأصدقاء لشرب الشاي، فتدور بينهما نقاشات كثيرة، جوهرها الزمن، خاصة في آخر حديث دار بينهما، عن أعظم جوع في الحياة، وهو “السيطرة على الزمن والتنقل فيه ذهاباً وعودة” وعن سؤاله إياه: “هل سبق أن انتابتك الدهشة في لحظة ما حيث شعرت وكأنّك تعرف هذه اللحظة مسبقاً أو تشعر وكأن لحظة ما تتكرّر معك؟؟”.[1] (وهم سبق الرؤية) أو (ديجا فو) أو (شوهد من قبل).

معرفة الزمن  هل يمكن أن نسافر في الزمن، أو أن نكتب عن أماكن لم نزرها؟[2].

علاقة الصداقة التي تشكلت بينهما رغم فارق العمر هي التي ستغير حياة برهان كلّيًا مستقبلاً.

بعدها يرحل سيمان فجأة إلى بلده إيران تاركاً لبرهان مخطوطة قال عنها أنها جِدُّ قيّمة، وتنحدر من عصر الفلسفة الزرادشتية، ثم يتعذّر اللقاء مجدّدًا بينهما بسبب ترحيل برهان إلى بلده مرة أخرى وتعثّر مساعيه للحصول على إقامة في الكويت.

بمجرد عودته لدمشق تُفسخ خطوبته، وتبدأ سلسلة أحداث غريبة عصية على الفهم، سببها رؤيته لأحلام كلما استفاق منها توفي من رآه في الحلم مع سيمان، ليعتقد أن المخطوطة لها علاقة بموت من يراهم في الأحلام يسقطون من أعلى الجدار.

وهنا تختفي مفاهيم “سيغمود فرويد”، و”جاك لاكان” تدريجيًا في العمل لتحل محلها المفاهيم التي طورها “مارت روبير” ثم “جان بيلمان” مروراً بما أنتجته العلوم الحديثة والمعاصرة في مجالي الفيزياء وعلوم الطاقة عامة، وعلم النفس بمدارسه الكلاسيكية والجديدة خاصة.

إن مرجعية النص الذي صاغه حسام الغزالي ليست واحدة، كما أن أبعاد الزمن ليست واحدة، فللأدب حضوره وللعلوم وللأديان حضورها، كذلك الحوارات الفلسفية، والتي أجدها حتى في انتقاء اسم حبيبة البطل التي أضاعها، (صوفيا) لم تكن سوى تشخيص للفظة الحكمة، محبة الحكمة، هي الفلسفة في مفهومها العميق الظاهر لكل من يطرق أبواب الفلسفة، ولبلوغها نعتقد أن العلم هو السّلّم الذي ينبغي ارتقاؤه، لكن البشر أدركوا أن العلم وحده ليس كافيًا لبلوغ الحكمة، هناك جانب آخر وجدته -وهذا ما نفترضه- الحضارات القديمة ، وربّما أوجدته، بين كونه وهماً أو حقيقة.

دورة الحياة وربما عجلة الحضارة كلها ما إن تنهي دورتها حتى تبدأ دورة جديدة، فهل أنهى البشر دورة معرفة النفس ليكتشفوا ضرورة الانتقال لمرحلة جديدة، بُعد جديد سيكون له تأثير على العلوم والعارف للسنوات القادمة؟

قد تكون هذه الرواية رؤية مستقبلية لعلم النفس الجديد والمستقبلي، فيما مضى طبّق “سيغموند فرويد” تحليله النفسي على الأدب والميثولوجيا والدين، وخلص لاستنتاج نظريات وعقد نفسية لها نماذج فيما قرأ من مؤلفات “شيكسبير” و”دوستويفسكي” وغيرهما.

وهنا نرى اتجاه جديد في “شوهد من قبل” عكس تيارات الكتابة والنقد النمطي أو العادي، لترتحل الرواية من الأدب إلى علم النفس وليس العكس، فيما يبدو قفزاً من ميدان لا يبدو له علاقة بالعلوم ولا قيمة له في إعطاء بوصلة للباحث عما هو علمي إلى ميدان استنفذ آلياته الإجرائية في تفسير النصوص الأدبية، حيث ظهر إسقاط سمات الشخصيات على نماذج جاهزة وقوالب سبق إعدادها من مخابر علماء النفس، كعقدة أوديب و إلكترا و غيرها مما يفسّر الأدب والأديب كأنه لا وجود للفروقات الفردية بين كاتب وكاتب، والسمات الخاصة لكل عمل.

تحليل نفسي لاختيار الأسماء في الرواية :

“شمس”: المعرفة الموروثة، الأم التي تهبنا كل ما يمكنها لتحمينا، والطفلة التي تستمر عندما تجد الحكمة برهانها “برهان” ثم تختفي لتلحق من يلحقها، من يدفع أكثر، من يضحي أكثر، ومن يتألم أكثر، لذا مهما تألم الإنسان، لن يحصل الفرد إلا على نصيبه من المعرفة الذي يخوّله لنيل حكمة من الحكم التي لا يبدو أنها تنتهي.

شمس” المعرفة المتولّدة عن تجربة روحية وعلمية.

“برهان” الباحث عن صحّة المعارف التي يجدها والمدقّق فيها، والساعي لبرهنتها علميًا وعقليًا، بعيدًا عن الخرافات والتفسيرات غير المطمئنة، لكن الشّك حالته الدائمة.

“صوفيا” الحكمة التي يبدو في البداية أنها الغاية الأهم من المعرفة، لكن عندما ينافسها إغراء “السلطة” تصبح وسيلة لا غاية.

“سارة” يعود الاسم في أصله للغة السومرية القديمة، وهو منقول عن إليسار أي سيدة البيت، ولكننا نستعمله في هذا الزمن بمعنى السرور، وهذا ما تبثّه سارة في حالة برهان النفسية عندما تواسيه في غياب صوفيا، وكأننا في غياب المعرفة نلجأ إلى البحث عن الأمان، الاحتواء، من يقبلنا بكلّ عيوبنا، دون وعود أو تضحيات أو ألم.

“سيمان أو سليمان”، يمثل الاسم في الذاكرة الدينية للشعوب الكتابية رمزاً للنبي سليمان، الذي امتلك قدرات أهمها فهم لغة الحيوان والتواصل معه، والتحكم فيمن لهم القدرة على السفر في الزمن[3]. كما يمثل عند الفرس في علاقتهم بالإسلام ذاكرة الرجل الذي سافر بعد سماع النبوءة ببعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو سلمان الفارسي، الذي غادر بلاد الفرس إلى شبه الجزيرة العربية تاركًا كل معتقداته خلفه، بحثاً عن الحقيقة.

ثيمات النّصّ:

لا نجد هنا صراع الفرع مع الأصل، أو الابن مع الأب، على العكس هنا تلاحم الابن مع الأب، انتقال السلطة الأبوية رغماً في ظل غفلة الأم، ولا يشكّل الجنس في الرواية غاية أو هدفاً بل مرحلة معرفية يلتحم فيها المادي بالروحي، ليخلد في الذاكرة ويخلّد معه الشعور، وعندما تتأثر الذاكرة وتختفي الذكريات نلجأ للشعور لمعرفة الحقائق التي يبدو أننا نجهلها، ليس بالضرورة جهلا سابقاً بل جهلاً آنياً مرحلياً نابعاً من اختلال في خط الزمن، والعودة إلى الركن الآمن (المكان  الذي نعرفه) منطقة الراحة التي لا نبحث فيها عن المعرفة بل عن السلام الداخلي، في لحظة تولّد فيها الخوف من المجهول، بينما قبل مرحلة المعرفة كنا نخاف من نتائج ما سنعرفه. إذا كانت المعرفة تمثل النور والجهل يمثل الظلام فإن كلا من العالم والجاهل يمثلان وجهين لعملة واحدة لا يمكن فصلهما، ومثلما يشعرنا الظلام بالعمى لانعدام الرؤية، بإمكان النور أيضاً أن يعمي من ليس مستعداً رؤيته، وهذا ما يبدو أن الرواية تريد الخلوص إليه.

فكيف نحافظ على الشعور بالأمان في ظل المعرفة التي نجدها؟ أو حتى تلك التي نفقدها؟

ثنائية الحلم والواقع: “هناك أشخاص يقومون برحلات سرّية حقيقية إلى واقع منفصل عن الزمن، ولكن من الصعب أن يعترفوا بذلك أمام العامّة”[4]، هي ثنائية تخضع بشكل أساسي لعامل الزمن، قد لا تختلف الأحداث والمشاهد الواقعية عن تلك التي نراها في الحلم، لكن حتماً زمن الحلم غير زمن الواقع، فيزيائياً على الأقل، وخدعة الشعور بأنه كان وقتاً طويلاً ذاك الذي عشناه في الحلم هي خدعة الزمن التي ترتكز على الوعي في الواقع وعلى اللاوعي في الحلم.

يصبح في الرواية الحلم واقعاً ويفقد الواقع معناه بسبب استباق الأحداث في الأحلام، لكن رغم فهم إمكانية ولوج عالم الأحلام تتأكد حقيقة عدم إمكانية تغيير أحداث الواقع انطلاقاً من كونه ضمن دائرة الحلم.

ثنائية الجسد و الروح:

  • هل يستدعي بلوغ الحكمة التخلي عن الجسد بتركه لينال شهوته أم التعالي على الجسد وإخضاعه بالحرمان من لذة الجسد؟

في المشهد الوحيد تقريبًا الذي يصوّر فيه الكاتب علاقة جنسية تجمع برهان بصوفيا، تشتعل الرغبة لا من النظر وإنما من حافز تكون صوفيا سببه بإشعالها الرغبة في برهان من خلال نظرة ثم دعوة صريحة جريئة منها له ليقبّلها، “حينها ونحن نسير على رصيف شبه فارغ من المارّة، وقفت قبالتي، نظرت إليّ وقالت بجرأة لم أسبقها من قبل، قبّلني الآن وبقوّة، شعرت حينها بألق غريب في مشاعري، فحين يبدأ الطلب من المرأة يكون الأمر أكثر إثارة وأكثر جمالاً، كان طلبها بقبلة مني في حدّ ذاته نشوة مستعرة تختلف عن محاولات الرجل الغبيّة للوصول إلى مبتغاه”.[5]

مرة أخرى يرتبط وعي النص بوعي القارئ من خلال استراتيجية الكتابة، يعيد القارئ إلى النقطة التي بدأ بسببها هذه اللعبة، وهي الذكريات، يعتقد المرء أنه إن حصل على ذكرى واحدة غامرة فبإمكانه تجاوز الذكريات السّيّئة، إنهاء علاقة بمستوى يليق بالحب الذي كان يجمعهما قبل السفر، لتبدأ بعدها لعبة جديدة، هي لعبة إلغاء الذكريات مرة أخرى. “كل علاقات الحبّ مبنية على الذاكرة والذكريات، وما كنت بحاجة إليه حقيقة هو محاولة إلغاء هذه الذكريات.” ….” الآن وبعد كلّ هذا الدفق انتهت علاقتنا إلى غير رجعة، وما بقي بحوزتي هو ذاكرة وذكريات، وعليّ إلغاؤها إلى غير رجعة”، محاربة الذكريات بذكريات جديدة، هي إذن لعبة الجسد والروح، النزول والصعود ، الحبّ والكراهية”.

يعقب ذلك قول الكاتب: “لعبة الجسد لعبة تدخلنا إلى أبعاد الحياة الخفيّة، فنحن دوماً نضلّل جسدنا الفاني، ونتجاهل نموذج الحياة الروحية والمثالي بداخلنا، فهفواتنا تشير دائماً إلى نمط حياتنا المتغيّر، ولهذا يحتاج كل واحد منا لأن يدرك أنه يعيش ضمن لعبة الخيارات، وهي نفس الخيارات لنا جميعاً في كلّ الأزمنة والأمكنة، فبقدر ما يبدو عالمنا المادي مُقنِعا إلا أن أحدًا لم يستطع إثبات أنّه حقيقي، أو أنّه الحقيقة، وهذه نقطة ضعفنا.”[6]

ثنائية السقوط والموت: “هنا حين نسقط”، هل هي المعنى المقصود حين نقول هناك حين نموت؟

تحيلنا في النهاية بعدما تتكرر كثيراً في أحلام برهان إلى مقولة علي بن أبي طالب: “الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا”، “نحن جميعاً نعيش في دائرة الحلم، حلم اسمه الحياة، وستستيقظ من هذا الحلم حين تولد بالموت، حينها فقط ستدرك أن حياتك لم تكن سوى حلم سريع من مسار طاقتك الأبدية”[7]. هذه الثنائية تكاد تكون الوجه الآخر لثنائية الحياة والارتقاء /اصعد كي لا تسقط/ انزل كي لا تسقط” التي شكلت في مرحلة ما من الرواية لغزًا باعثًا على الحيرة والارتباك، فهل الصعود بالجسد إلى مصاف الروح هو الذي يحول بينه وبين السقوط في الخطأ أو الرذيلة ويضمن له النجاة والخلود؟ أم النزول إلى منطقة الأمان كما يراها هو ما يضمن له هذه النجاة؟

ثنائية الذاكرة و الشعور:

المشاعر هي التي تصنع الذكريات/ الذكريات هي التي تبعث المشاعر .

فلسفة عميقة امتزجت مع كل ما جاء في الرواية شوهد من قبل من ثنائيات، وانتهت إلى أنه تجنّبا لتهمة الجنون لا بد من محو الذاكرة، لابدّ من النسيان، ولأجل بلوغ النسيان يعمد البطل إلى خلق ذكريات جديدة، لينسى صوفيا يلجأ لسارة، وليتذكّر صوفيا مرة أخرى تظهر سارة في النهاية، “بعد انتهاء علاقتي بصوفيا، فكّرت بشكل جدّي أن أرتبط مع فتاة أخرى، لكن ليس للزواج، فقرار الزواج بعيد كلّ البعد عن تفكيري في الوقت الحالي، لكنني بحاجة لملء الفراغ العاطفي الذي تركته صوفيا بعد مغادرتها”[8]  تمثل سارة المعرفة التاريخية، فكأنّ الكاتب يقول لنا: لكي تنجو عليك العودة للتاريخ، لابد من ألم فكري، فالفكر هو الذي يمنع الفعل وهو الذي يجعل الشقاء يدوم[9]، إن شقاء برهان الفكري نابع من تفكّره في الحلم على أنه واقع وفي الواقع على أنه حلم يتحقق. “كلّنا ندين بعواطفنا إلى الماضي على شكل مشاعر لم نسمح لأنفسنا بالتعبير عنها، غير أن الماضي لا ينقضي طالما أنه لم يتمّ سداد هذه الديون، … فغرض التخلّص من دَين هذه المشاعر هو أن نجد مكاننا في الحاضر والمستقبل القادم بدون تلك الكمّية من ديون المشاعر المُرهقة.”[10]

“التاريخ أجمل حين تسرده سارة”، لقد سيطر على مرّ العصور العنصر الذكوري في رواية التاريخ، لأنه الأكثر قدرة ربما على نزع المشاعر من الأحداث وتقديمها موضوعياً، لكن هل فكّرنا للحظة أنه ربما صار من الضروري التفكير في سرد التاريخ بالعواطف بدل سرده بالتتابع؟

قراءة عبارة: “التاريخ أجمل حين تسرده سارة” تحيلنا إلى هذا التساؤل: هل آن الأوان لنسرد التاريخ مفرغاً في كأس العاطفة بدل الذي كان ممن قبل، عندما كان يسرد مفرغاً من العاطفة؟

إننا شعوب تمتلك ذاكرة ، وتصنع لنفسها المشاعر، أو العكس نملك المشاعر ونفتقد للذاكرة.

ولم يعد ممكنا لنا كأفراد وكشعوب مواجهة المستقبل دون حكاية عائلية تسند ذواتنا، وهذا بالذات ما يؤكّده الناقد المغربي “حسن المودن” في مقال له بعنوان: “عقدة الأخوة من قابيل وهابيل إلى يوسف وإخوته”[11].

  • هل أصبح العالم المادي اليوم بحاجة لرحلة روحية كرحلة المعراج في قصة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟، أو كقصة أهل الكهف أو غيرها من القصص المقدسة والأساطير  المذكورة للسفر عبر التاريخ؟
  • هل الأحلام هي النافذة التي يمكننا من خلالها السفر؟ هل الدخول إلى عالم الأحلام بشكل واع هو الذي يحقّق لنا هذا السفر الروحي؟
  • ما الحل؟ ألا تتعلّق بشيء حدّ الجنون، التّخلّي هو الحلّ، تخلّ عن الجسد لتبلغ الروح، وتخلّ عن الذاكرة لتصل للشعور الخالص، ثم تخلّ عن الشعور وستعرف الحقائق التاريخية، كلّ ما نحبّه حدّ الجنون نفقده، لذا عودتنا للواقع لا بد أن تمر بنسيان لما عرفناه، تجنّبا للفوضى التي تحدثها المعرفة التي توصّلنا إليها بالواقع الذي يعيشه من لم يجرّبوا هذا السفر، لتنتهي الرواية بأن وحده من يجرؤ على التفكير هو الذي يتحرّر.

[1]  حسام الغزالي، شوهد من قبل، دار نينوى، دمشق / سوريا، ط1، 2021م/ 1442هـ، ص21.

[2]  هذا السؤال بالذات هو جوهر أعمال الناقد الفرنسي بيير بيار النظرية والتطبيقية، وقد أفرد له مؤلّفا خاصا: هل يمكن أن نكتب عن أمكنة لم يسبق لنا أن زرناها؟

[3]  إشارة إلى سورة النمل الآية 38- 40 ” قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ياتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجنّ أنا آتيك به قبل أن تقوم من من مقامك و إني عليه لقويّ أمين (39) قال الذي عنده علمٌ من الكتاب  أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك فلمّا رآه مستقرّا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر و من شكر فإنما يشكر لنفسه و من كفر فإنّ ربي غني كريم ”

[4]  حسام الغزالي، شوهد من قبل ، ص 23

[5]  حسام الغزالي ، شوهد من قبل ، ص 35

[6]  حسام الغزالي، شوهد من قبل، ص 37

[7]  حاتم الغزالي: شوهد من قبل ، ص 150

[8]  حسام الغزالي، شوهد من قبل ، ص 50

[9]  يرجى العودة لدراسة جاك لاكان النفسية لمسرحية هاملت لشكسبير، و كذا دراسة الكاتب الألماني جوته للمسرحية نفسها.

[10]  حسام الغزالي، شوهد من قبل ، ص 60

[11]  حنان عقيل ، عقدة الأخوة من قابيل و هابيل إلى يوسف و إخوته، مجلة العرب ، ع 11513، الأربعاء 30/10/2019م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى