ثقافة و فنون

محاولةٌ في الجزائري “الكائن الاجتماعي”

يتجلَّى موقف الفيلسوف الجزائري بوضوح على المستوى العملي بخصوص ما يمكنه تفويضه في الخطاب الذي توجه به لحكومة بلاده إذ يقول: ” وهكذا أكون قد أنجزت المهمة التي اعتزمت معالجتها في كتبي، ولم يبق لي إلاَّ التنبيه إلى أنَّني لم أكتب شيئا مما لم يكن في نيتي أن أتقدَّم به لمن يتولون مقاليد الحكم في بلادي ليقوما بفحصه والحكم عليه، وأنني على استعداد للتراجع عن كل ما سيثبت لهم أنه مخالف للقوانين أو ضار بالمصلحة العامة، إنني أدرك أنني بشر، وأنني معرض بوصفي إنسان للوقوع في “غير المقبول”، لقد اتخذت كل الاحتياطات اللازمة لتجنب الوقوع في الزلل، وحرصت على البقاء في انسجام تام مع القوانين الخاصة ببلدي بروح الولاء والأخلاق”.

الفيلسوف الجزائري
محاولةٌ في الجزائري “الكائن الاجتماعي”

يجدر بالمتأمِّل الانتباه لذاك الخلل المهم جدا الذي يتم استنباطه عند قراءة الفلسفة السياسية الجزائرية في الفكر والثقافة العربية، وفي فهمها لحركة التاريخ عندما تلاحظ كيف يقسَّم التاريخ البشري لدى الفيلسوف الجزائري وكيف يستنتج ظهور الدولة الجزائرية من هذا، التقسيم، فالتاريخ هنا يقسم كما مع الفيلسوف الانجليزي والفيلسوف السويسري وكل فيلسوف أوربي تنويري إلى الإنسان الاجتماعي والإنسان ما قبل الاجتماعي، لا إلى الإنسان الجاهلي والإنسان المؤمن بالله، كما هو عليه الحال لدى الكثير من المثقفين العرب إجمالا، فالحياة الاجتماعية الصالحة تبدأ بالعقل والسبب ولا تبتدئ بالوحي المفارق، ويثير هذا الاختلاف الجوهري في المنطق لفهم نشوء التنظيم الاجتماعي من واقع وحي الهي تساؤلات أساسية مميزة للثقافة العربية، والكثير منها في ذاتك، عندما تربطه بكون المجتمعات الجزائرية من أسوأ المجتمعات البشرية على الاطلاق من ناحية التنظيم الاجتماعي والقدرة على إنتاج أدواره الشرعية للدولة في نطاق فكر يعتبر أنَّ الشرعية شيء نازل من السماء.

يستنتج الفيلسوف الجزائري نشأة الدولة المدنية كغيره من الفلاسفة التنويريين من دولة طبيعية أو دولة “الغابة”، التي هي النقطة المفترضة في التاريخ، ومنها تنطلق كل المدارس السياسية، سواء الواقعية النفعية الانجليزية أو المثالية الجرمانية؛ وما من شك أنَّ الفيلسوف الجزائري ينتمي إلى المدرسة الانجليزية، فنراه يميِّز بين نوعيْن متمايزيْن من الوجود البشري الأوَّل قبل وجود قوانين علم الاجتماع الأخلاقية والثاني بعد وجود قوانين علم الاجتماع الأخلاقية، حيث افترض الفيلسوف الجزائري أنَّ الجزائري في البداية قد عاش وحيدا وبدون تنظيم اجتماعي، متمتعا بما سماه الحق الطبيعي، هذا الحق الفردي الذي ليس له من حدود سوى قوة هذا الفرد، حتى أنَّه يمكن القول أنَّ الحق والقوَّة هما الشيء ذاته، هذا الحق الذي يعطي الجزائري حرية مطلقة تمتد مع امتداد القوَّة في ظل غياب مفاهيم اجتماعية، ليسميَ الفيلسوف الجزائري هذا النوع من الوجود بالدولة الطبيعية السابقة للدولة المدنية، والجزائري في الدولة الطبيعية لا يرى سوى منفعته الخاصة ويعيِّن الصالح والطالح وفقا لقوته وفائدته وهواه، فالقانون في دولة الطبيعة الذي يولد بموجب الجزائريين غير الاجتماعيين هو قانون الغابة، تسنُّه الشهوة والحاجة الفردية، وهو لا يحرِّمُ أيَّ شيء، إلاَّ ما لا يرغب الجزائري في اتيانه، فكما هي الوحوش البرية كلٌّ يعيش لذاته، وعلى هواه، وفي ظل خطر عظيم على حياته، لا يمكن لأيِّ جزائري في حالة كهذه أن يدرك الخطيئة (غير المقبول).

ولكن الحرية بالنسبة للجزائري ليست كل شيء، فهو مثله مثل باقي الكائنات الأخرى، يرغب بالحفاظ على وجوده ودرء الأخطار عنه، وتأمين ضروريات حياته، وتسري عليه هذه القوانين كقوانين حفظ النوع، كما تسري على غيره من المخلوقات، كما أنَّه يخاف العزلة، فتراه ينزع نحو التنظيم الاجتماعي، فالحاجات المشتركة بين الجزائريين تولِّد المساعدة المتبادلة، وهكذا نرى أنَّه ضمن سياق تطوُّري تاريخي، فإنَّ قانون القوَّة الفردية أو قانون الطبيعة قد تحوَّل إلى قانون حقيقي للجماعة ذو سمة تاريخية أخلاقية أو عقد اجتماعي (un contrat social) والحق الطبيعي قد تحوَّل إلى حق مدني لتنشأ الدولة المدنية على أنقاض دولة الطبيعة، حيث يشترع فيها وبموافقة عامة للجزائريين، على ما يكون صالحًا وطالحا، وينشأ الخير والشر الاجتماعييْن فيظهر ضمن السياق التطوُّري ذاته، الجزائري الأرقى، الذي يعتبر ذاته مسؤولا أمام المجموع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق