سياسة وتاريخ

مجهود خرافي للاستمتاع بالحياة الأخرى.. أسرار مثيرة عن بناء الأهرامات

لقد رأينا في سياق دراستنا لعصر الأسرات الأولي والثانية وعصر الدولة القديمة أو كما يسمي أحيانًا عصر بناة الأهرام العظام، التطور الكبير الذي شهدته المقبرة الملكية من شكل حفرة بسيطة إلى شكل مصطبة، ثم جاء أول مهندسي البشرية وأعظمهم على الإطلاق “إيمحوتب”، وانتقل بشكل المقبرة الملكيّة من مصطبة إلى شكل الهرم المدرج وتمثل ذلك الإبداع في بناء الأهرامات الثلاثة.

وأخذت المقبرة الملكيّة تزداد في حجمها وتتقدم في عمارتها بمضي الزمن حتى اتجهت إلى الشكل الهرمي، ونحن إذا سألنا أنفسنا عن السبب الذي جعل قدماء المصريين يتجهون إلى بناء الأهرامات على هذا الشكل الهرمي فسنواجه بالعديد من التفسيرات.

يرى البعض أن الوصول لهذا الشكل ليس إلا تطورًا معماريًا بحتًا، والبعض يرى أن ذلك دليل على انتصار إحدى العقائد الدينيّة على غيرها. ويقدم علماء الدراسات المصرية تفسيرًا لهذه العلاقة بمظهر أشعة الشمس عندما تسقط مضيئة بين فجوات السحب في السماء فإنها تظهر كما لو كانت أهرامًا هائلة الحجم تربط بين السماء والأرض.

سنتحدث بالتفصيل عن هذا المبنى الهندسي الضخم كيف بناه المصريون القدماء وكيف تمكنوا من إدارة هذه المنشأة أثناء بنائها وبعد بنائها.

مراحل بناء الأهرامات

مراسم التتويج:

كان كل فرعون جديد عليه القيام بعدة أمور في السنوات الأولى من حكمه، وكان أول شيء يتم هو مراسم التتويج المعقدة والتي تحتاج لوقت طويل، وكانت هناك أيضًا بعض المشاكل الإدارية التي تنشأ نتيجة تغير الحكام، وكذلك فإن الملك الجديد كان مضطرًا الإشراف على كل ما يتعلق بدفن من سبقه، وبعد أن ينتهي من هذا يبدأ التفكير في تشييد مقبرة لنفسه.

اختيار مكان البناء وشروطه:

كان اختيار مكان المقبرة يتوقف على الكثير من العوامل والشروط ومنها: أن يختار الملك موقع قريب من أسلافه، وكان لابد أن يكون الموقع على الضفة الغربية من النيل، ويشرف على الوادي المزروع.

كما أنه يوجد كتلة من الصخر تتحمل الوزن الواقع عليها، ويجب أن يتوفر وجود مكان فسيح حول مكان بناء الأهرامات لتشغله بالمباني الأخرى مثل المعابد الجنائزية، ولكي يتسع المكان لمقابر أعضاء الأسرة المالكة ورجال البلاط، كما أنه يجب أن يتوفر الحجر اللازم للبناء، وأن تكون هذه الأحجار على مقربة منه.

عملية البناء والتشييد

سوف أخذكم معي للسفر عبر الزمن وبالتحديد في عصر الأسرة الرابعة في فترة حكم الملك خوفو (٢٦٥٦-٢٦٣٣ق. م)، فاستعدوا واربطوا الأحزمة وأطلقوا لخيالكم العنان لمعايشة تلك الفترة الرائعة والمثيرة في حياة البشرية.

تبدأ الاستعدادات لبناء الأهرامات في اليوم الذي يتم فيه اختيار الموقع، فيقوم كبار موظفي الملك بالإشراف على بناء الهرم، وكان الملك نفسه يأتي من وقت إلى آخر، وكان المعماريون يسيرون في عملهم وفقًا لرسوم تخطيطية سبق وضعها لجميع الممرات والحجرات الداخلية.

وكان رؤساء العمال يحسبون كل ما يحتاجون إليه من كتل الأحجار وكانت تقطع حسب مقاييس خاصة، وكان أكثر الحجارة المستخدمة في البناء الحجر الجيري، وكان كساء الممرات الداخلية من الحجر الجيري الأكثر جودة وكانوا يحصلون عليها من محاجر طرة.

وكان المعماريون يشيدون الأهرامات بحيث تكون أضلاعه الأربعة مواجهة تمامًا للجهات الأربعة الأصلية، وكانوا يجعلون مدخل الهرم في الناحية الشمالية باتجاه النجم القطبي، ولقد كان للمصريين دراية كافية بعلم الفلك.

وفي الوقت الذي يقوم فيه العمال بوضع التابوت في مكانه، كان العمال يشيدون الطرق الصاعدة من الوادي إلى رأس الهضبة، أما الأحجار فكانت تقطع وتنقل فوق سفن كبيرة مسطحة القاع، ويتم تخزينها على الشاطئ بالقرب من الهرم ثم يبدؤون بنقلها إلى أعلى الهضبة.

وكانت الأحجار تنقل بواسطة الثيران التي تجر زحافة فوقها كتل من الحجر، وكانت أكثر الأحجار التي يتم رفعها تجر بواسطة الرجال الذين يجرون الزحافات بالحبل، قفد عمل 172 رجل في جر تمثال من المرمر لأحد الحكام.

أما في مسألة نحت الأحجار وكساء بناء الأهرامات فقد كان العمال ينحتون كتل الحجر بعناية تامة، كانوا يضعون كلًا منها في مكانها، مستخدمين طبقة رقيقة من المونة، وبعد أن يضعوا بعض المداميك الأولى في أماكنها يصبح من المتعذر الاستمرار في عملهم، فقد لجأوا إلى عمل جسور وطرق صاعدة من التراب والحصى لمثل هذا الغرض وعندما يرتفعون بالبناء يزيلونها.

اقرأ أيضًا: رعاة الغنم أصبحوا حكامًا.. تاريخ تأسيس إمبراطورية أرطغل

عظمة بناة الأهرام ومجهوداتهم من أجل الحياة الأخرى

يعد العمال من أهم عناصر عملية ناء الأهرامات كيف يسكنون وكيف يتناولون الطعام؟

خُصص للعمال ثكانات بسيطة البناء، وكان يعيش في كل حجرة مجموعة من العمال لا يزيدون عن عشرة، وكان هناك فريق خاص من العمال لإعداد الطعام وآخر لجلب الشراب أو الاغتسال، كما كانت تصرف لهم الثياب والأدوات اللازمة من المخازن الملكية.

زمن الإنشاء وعدد العمال

يذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوت، أن تشيد الهرم استغرق ثلاثين عامًا، منهم عشرة أعوام في تشييد الطرق الصاعدة وعمل ما كان تحت سطح الأرض من مباني الهرم.

ويضيف المؤرخ الذي يلقب بـ”أبو التاريخ”، أن عدد العمال المعينيين من أجل بناء الأهرامات يبلغ مائة ألف عامل، وأنهم كانوا يستبدلون محلهم كل ثلاثة أشهر.

وقد شيد الهرم على مساحة 10 أفدان واستخدموا فى بناءه عدد لا يقل عن 3 ملايين و300 ألف كتلة من الحجر، يزيد وزن البعض عن 8 أطنان.

بعد بناء الأهرامات.. كيف يُدفن الفرعون؟

بعد الانتهاء من بناء الأهرامات كان الفرعون إذا توفى، تكون طريقة الدفن كالتالي:

إذا مات الملك كانوا يأتون بجسده إلى معبد الوادي لغسله وتطهيره، وكانوا يقومون بعمل ثلاث طقوس؛ الطقس الأول غسله وتطهيره، الطقس الثاني تحنيطه وكانوا يستخدمون في التحنيط 34 نوع من البهار والزيوت ممزوجة ببعضها، والطقس الثالث فتح الفم.

ويوم الدفن، كان هناك طقسًا سحريًا يقصد به تمكين الجسم من التكلم مرة أخرى، وبعد أن يضعوا المومياء في حجرة الدفن كانوا يغلقون مدخل الهرم غلقًا أبديًا ويخفونه تمامًا وراء أحجار الكساء الخارجي، ثم يبدأ الكهنة في أعمالهم التي من شأنها استمرار روح الميت في الاستمتاع بالحياة الأخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبدالله احمد علي الدالي

متخصص في التاريخ والاثار المصرية والاسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق