سياسة و تاريخ
أحدث المقالات

ملف خاص: مجلس الأمن وعلاقته بالدول العربية

كثيرا ما نسمع بنشرات الأخبار أن مجلس الأمن الدولي قد صادق على قرار يقضي بتطبيق عقوبات اقتصادية على كوريا الشمالية، أو أن أمريكا -مثلا- استعملت حق النقض “الفيتو” بمجلس الأمن ضد قرار يحمل إسرائيل مسؤولية استهداف المدنيين بغزة!
بعيدا عن التجاذبات السياسية يطرح المتتبعون مجموعة من الأسئلة حول: ماهو مجلس الأمن وماهي أهدافه؟ متى وكيف تم إنشاؤه؟ ما الأعضاء الذين يتكون منهم؟ وماهي اختصاصاته؟ ماعلاقته بالأمم المتحدة؟ وكيف تأثرت الدول العربية بقراراته؟ وهل هو فعلا أداة في يد القوى الكبرى لفرض هيمنتها على دول العالم الثالث.. أم أنه أداة لتحقيق السلم والأمن الدوليين؟ كل هذه الأسئلة وأخرى سنحاول الإجابة عنها في هذا الملف الخاص.

√ النشأة والأهداف

مجلس الأمن الدولي
المقر الرسمي للأمم المتحدة بنيويورك، الولايات المتحدة

المقر الرسمي للأمم المتحدة بنيويورك، الولايات المتحدةتم إنشاء مجلس الأمن في 24 أكتوبر سنة 1945 بموجب المادة 23 من ميثاق الأمم المتحدة، ويعتبر من أهم الأجهزة التي تتكون منها الأمم المتحدة إلى جانب كل من الأمانة العامة، والجمعية العامة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوصاية، ثم محكمة العدل الدولية.

ويعتبر مجلس الأمن المسؤول الأول عن حفظ الأمن والسلام الدوليين طبقا للمادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، كما أن المجلس يتميز عن باقي أجهزة الأمم المتحدة بكونه الجهاز الوحيد الذي يمتلك السلطة القانونية لاتخاذ القرارات وإلزام الدول الأعضاء بتنفيذها بموجب المادة الرابعة من نفس الميثاق، بينما الأجهزة الخمسة الأخرى تكتفي فقط بتقديم توصيات إلى الحكومات.

تم عقد أول اجتماع لمجلس الأمن الدولي في 17 يناير في تشيرتش هاوس، وستمنستر بالعاصمة البريطانية لندن، وقد تلت ذلك عدة جلسات عقدت بمجموعة من المدن حول العالم مثل جنيف بسويسرا سنة 1990، وفي أديس أبابا بإثيوبيا في عام 1972، قبل تحديد المقر الحالي بمدينة نيويورك الأمريكية كمقر دائم لمجلس الأمن. ومن أبرز قواعد مجلس الأمن وجوب أن يظل ممثل عن كل عضو ‏من أعضاء المجلس حتى يتسنى له عقد الاجتماع في أي وقت كلما استدعت الضرورة، مما يبين جسامة وخطورة المهمة التي يطلع بها المجلس.

يسعى مجلس الأمن الدولي إلى مجموعة من الأهداف من خلال الاختصاصات المخولة له، ويمكن إجمالها فيما يلي:

1- المحافظة على الأمن والسلم الدوليين.
2- التحقيق في النزاعات الدولية عن طريق المبعوثين الخاصين والمراقبين العسكريين أو بإرسال قوات حفظ السلام المعروفة بالقبعات الزرق إلى بؤر التوتر.
3- التوصية بتسوية المنازعات الدولية أو بشروط تحققها أو الوساطة بين المتنازعين لحلها.
4- انتخاب قضاة محكمة العدل الدولية إلى جانب الجمعية العامة وتقديم توصية لهذه الأخيرة لانتخاب الأمين العام للأمم المتحدة.
5- تقديم توصيات بشأن الأعضاء الجدد وقبولهم في محكمة العدل الدولية، وشروط انضمامهم للنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
6- تعزيز احترام حقوق الإنسان.

ولتحقيق هذه الأهداف خاصة المتعلقة منها بالحفاظ على على الأمن والسلم الدوليين يستعمل مجلس الأمن كل الوسائل الضرورية التي يراها مناسبة مثل: توقيع الجزاءات الاقتصادية، وحظر توريد الأسلحة، والعقوبات والقيود المالية، وحظر السفر، قطع العلاقات الدبلوماسية، والحصار، وقد يصل الأمر إلى حد العمل العسكري الجماعي فيما يعرف ب “نظام الأمن الجماعي”.

√ الدول الأعضاء وحق النقض “الفيتو” 

مجلس الأمن الدولي

يتكون مجلس الأمن من خمس أعضاء دائمين وهم كالتالي:

1-فرنسا
2-الصين
3- الاتحاد الروسي
4-الولايات المتحدة الأمريكية
5-المملكة المتحدة (بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية)

يتمتع الأعضاء الخمس الدائمين بمجلس الأمن وفقا لقاعدة (إجماع الدول الكبرى) بحق النقض “الفيتو”بمعنى أنه لا يمكن اتخاذ أي قرار ملزم إذا اعترضت عليه دولة من بين الخمس الدائمين.
ويعرف هذا الحق في النقض -الفيتو- معارضة وانتقادا شديدين من اليابان وألمانيا وتركيا والبرازيل والهند ومجموعة من دول العالم الثالث بمطالبتهم بإصلاح عاجل لمجلس الأمن؛ باعتبار أنه لايحق لخمس دول التحكم في مصير العالم كله عن طريق العضوية الدائمة و “الفيتو”!

بالتمعن في أسماء الدول الدائمة العضوية سيتبين لنا أنها تتشكل من الدول التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية فروسيا تمت مجازاتها بمساعدتها للحلفاء بأوربا والصين لكونها العدو اللدود آنذا لليابان المنهزمة في الحرب مقابل استبعاد هذه الأخيرة إلى جانب ألمانيا التي كانت أبرز الخاسرين في الحرب العالمية الثانية. لكن لماذا نسمع أن ألمانيا تصوت على قرارات مجلس الأمن.. ألم تخسر الحرب؟!

الجواب هو أن مجلس الأمن لا يتكون فقط من الأعضاء الدائمين بل بالإضافة لهم يوجد 10 أعضاء يمكن لألمانيا وغيرها من دول العالم أن يكونوا من ضمنها، ويتم انتخابهم بواسطة الجمعية العامة لمدة سنتين، ولا يسمح بإعادة انتخاب أحدهم مباشرة لمدة أخرى. ليصبح بالتالي عدد أعضاء مجلس الأمن 15 عضوا يتناوبون على رئاسة المجلس شهرياً وفقاً للترتيب الأبجدي لأسمائهم بالإنجليزية، ولكل عضو من الدول الأعضاء صوت واحد.
ويراعى في انتخاب الأعضاء العشرة غير الدائمين التوزيع الجغرافي التالي:

1- خمسة مقاعد للدول الأفريقية والآسيوية.
2- مقعدان لدول أميركا اللاتينية.
3- مقعدان لدول غرب أوروبا والدول الأخرى.
4- مقعد لدول أوروبا الشرقية.

√ أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين 

مجلس الأمن الدولي

فيما يلي لائحة بأسماء الأعضاء العشرة غير الدائمين بمجلس الأمن حاليا مع تاريخ انتهاء مدة ولايتهم:

•ألمانيا (2020)

•بلجيكا (2020)

•كوت ديفوار (2019)

•بولندا (2019)

•جمهورية الدومنيكان (2020)

•جنوب أفريقيا (2020)

•غينيا الاستوائية (2019)

•أندونيسيا (2020)

•الكويت (2019)

•بيرو (2019)

•بولندا (2019)

 

√ الدول العربية ومجلس الأمن

حظيت الدول العربية مجتمعة بنصيب وافر من قرارات مجلس الأمن منذ تأسيسيه إلى اليوم، وفيما يلي أبرز القضايا التي كان الدول العربية محورها الرئيسي وتأثرت فيها بقرارات مجلس الأمن:

1. القضية الفلسطينية

مجلس الأمن الدولي

يعتبر الصراع الفلسطيني/الاسرائيلي من أقدم الصراعات التي لازالت مستمرة إلى يومنا هذا وقد كانت للقضية الفلسطينة حصة الأسد من قرارات مجلس الأمن منذ بدايتها، وكان أول قرار لمجلس الأمن في هذا الصدد في 20 يناير سنة 1948 والقاضي بوقف إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ثم القرار رقم 242 عقب هزيمة الجيوش العربية بحرب 1967، والمتعلق بإنهاء حالة الحرب والاعتراف الضمني بإسرائيل، والدعوة لانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي التي احتلتها في نفس الفترة. وبعدها القرار 338، إبان حرب أكتوبر 1973، الداعي إلى وقف القتال والالتزام بتنفيذ القرار السابق رقم 242، وقد عرف هذا القرار اختلافا بين الدول العربية؛ بين مؤيد ومعارض وممتنع: حيث وافقت عليه كل من مصر والأردن، ورفضته ليبيا وسوريا والعراق، بينما امتنعت عن اتخاذ أي موقف كل من الجزائر والمغرب وتونس.
وتلت ذلك قرارات مختلفة وهي كالتالي مرفوقة بسنوات اتخاذها:
القرارين رقم 339 و 340 في 1973، ورقم 452 في 1979، و 476 في 1980، و 605 في 1978، ثم القرارات أرقام 607، 608، 636، 641، 681، 694، 726، و799.

مع مطلع القرن الواحد والعشرين سنة 2000 صادق مجلس الأمن الدولي على القرار 1322 بالإجماع بإدانة إسرائيل لإفراطها في استخدام القوة في حق الفلسطينيين، عقب “انتفاضة الأقصى”.
وقد اتخذت بعده مجموعة من القرارات التي كانت في مجملها تصب في صالح الاحتلال الإسرائيلي الذي يعاني الشعب الفلسطيني من تبعاته إلى اليوم؛ بتغيير جغرافيا فلسطين التاريخية واستمرار توسع المستوطنات الإسرائيلية وتهويد المناطق الفلسطينية المقدسة. في ظل صمت المجتمع الدولي الذي شجع إسرائيل على إعلان القدس عاصمة لها، ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها في خطوة جريئة ومستفزة أقدم عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

2. العراق

مجلس الأمن الدولي
القوات الأمريكية بالعاصمة العراقية بغداد

كانت العراق أيضا محط اهتمام مجلس الأمن في قضايا عدة أبرزها “حرب الخليج الأولى” بين العراق وإيران الممتدة لثمان سنوات من 1980 إلى 1988، حيث وافقت الدولتان في غشت 1988 على خطة السلام المقترحة من قبل الأمم المتحدة والمتضمنة بقرار مجلس الأمن رقم 598 القاضي بوقف الحرب بين البلدين.

و”حرب الخليج الثانية”، عقب اجتياح نظام صدام حسين للكويت وإعلانها محافظة عراقية، حيث دارت الحرب بين العراق وقوات التحالف الدولي المكونة من 34 دولة بقيادة الولايات المتحدة، وتخللت هذه الفترة وبعدها قرارات لمجلس الأمن تدين التدخل العراقي في الكويت وعدم امتثال العراق لقرارات مجلس الأمن، وقد وافق العراق على القرار رقم 687 القاضي بوقف إطلاق النار، لكن بعد انتهاء الحرب استمر الأخذ والرد بين العراق ومجلس الأمن حول إزالة أسلحة الدمار الشامل! مما ترتبت عنه عقوبات اقتصادية وأحداث سياسية كبيرة اختتمت بغزو العراق سنة 2003 فيما يعرف بــ “حرب الخليج الثالثة” من قبل القوات الأمريكية والبريطانية بعد قرار مجلس الأمن رقم 1441 في نونبر 2002 والقاضي بالتفتيش بحثا عن أسلحة الدمار الشامل التي اتهمت العراق بامتلاكها، وترتب عن الغزو سقوط نظام صدام حسين، وتشكيل نظام جديد وحكومة وجيش جديدين بالعراق.

3. المغرب

مجلس الأمن الدولي

يعتبر النزاع حول الصحراء المغربية ( المسماة بالصحراء الغربية حسب القانون الدولي) من بين الصراعات العربية التي استأثرت باهتمام مجلس الأمن الدولي منذ نصف قرن. تعود حيثيات الصراع بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو التي أسست في ال10 من ماي 1973 وهي اختصار لاسم “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”، بعد استرجاع الصحراء المغربية من المستعمر الاسباني سنة 1975 بعد ما يعرف بــ “المسيرة الخضراء” بمشاركة 350 ألف مواطن مغربي، تم توقيع “اتفاقية مدريد” التي نصت على خروج إسبانيا من الصحراء وتقسيمها بين المغرب وموريتانيا التي توصلت فيما بعد لاتفاق آخر من المغرب سوّى الوضعية بينهما، لكن في 26 فبراير 1976 أعلنت جبهة البوليساريو تأسيس “الجمهورية العربية الصحراوية الشعبية الديمقراطية” ومن هنا بدأ الصراع حول البوليساريو التي تدعي “احتلال” المغرب للصحراء والمغرب الذي يؤكد أن الصحراء أرض خاضعة للسيادة المغربية ومواطنوها مغاربة.. كما أكد العاهل المغربي في أحد خطاباته بمناسبة ذكرى “المسيرة الخضراء” بأن: “المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض من عليها”. وفيما يلي أبرز قرارات مجلس الأمن المتعلقة بهذا النزاع:

– في 20 سبتمبر من عام 1988صادق مجلس الأمن على قراره رقم 621 بتعيين ممثل خاص للأمين العام المتحدة مكلف بقضية الصحراء.
– في 1991 أقر مجلس الأمن القرار رقم 690 القاضي بتشكيل بعثة أممية لتنظيم الاستفتاء في الصحراءالغربية المعروفة اختصارا بـ”المينورسو” (MINURSO).
– بعد فشل المفاوضات الثنائية حول الاستفتاء والتزاع حول تحديد الشروط الواجب توفرها في الناخبين تم في 31 ماي من سنة 2000 إعلان كل من فرنسا وأميركا مبادرة مشتركة قدمتاها إلى مجلس الأمن لصياغة حل سياسي، وتنص بالأساس على إعطاء الصحراويين حكما ذاتيا ضمن السيادة المغربية.

في 25 يوليوز أصدر قرار مجلس الأمن القرار رقم 1309 بناء على المبادرة الفرنسية الأميركية التي تقترح حلا سياسيا لنزاع الصحراء، ودعى الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة آنذاك جيمس بيكر جيمس إلى حل تفاوضي بين الطرفين، وبالتالي التخلي نهائيا عن خطة الاستفتاء.

– في 11 أبريل2007 قدم المغرب رسميا للأمين العام للأمم المتحدة المبادرة المغربيـة للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي في الصحراء.
– وفي ماي تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع قراره 1871 لتمديد مهمة البعثة الأممية في الصحراء إلى أبريل 2010. كما رحب المجلس في هذا القرار باقتراح المبعوث الأممي كريستوفر روس عقد مباحثات غير رسمية بين طرفيْ النزاع. لكن سنة 2012 أعلن المغرب فقذانه الثقة في المبعوث الأممي كريستوفر روس وتوقفت المفاوضات الأممية بشأن الصحراء اللهن بعض الزيارات البروتوكولية.

لكن مع تعيين المبعوث الجديد الحالي هورست كوهلر تم استئناف المفاوضات من جديد وهذه المرة بمشاركة كل أطراف الصراع المباشرة وغير المباشرة وهي كل من المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا وتم عقد اجتماع بين الأطراف أواخر ديسمبر 2018 فيما يرتقب أن تعقد جولة أخرى في مارس المقبل.

ختاما، يمكن القول أن مجلس الأمن يلعب دورا – مهما- في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين بمختلف مناطق العالم. لكن، الإشكال يطرح في معالجته للقضايا التي تكون دوله الدائمة العضوية طرفا فيها أو أحد حلفائها.. هنا تطرح علامة استفهام كبيرة عندما يوضع القانون والأعراف الدولية جانبا ويتم بدلها استحضار منطق “القوي من يحكم” ويتحدث المجتمع الدولي لغة المصالح والتحالفات بدل القانون والمساواة بين الدول وباقي الأعضاء.
إن التركيبة الحالية لمجلس الأمن تعزز من هذه المفارقة وتشجع منطق المصالح عوض روح القانون، والحل الأمثل لتغيير ذلك -ولو جزئيا- هو تغيير طريقة عمله والعضوية فيه بشكل يسمح بتمثيل أكبر لكل لدول العالم خاصة دول العالم الثالث التي يقتات الكبار من مشاكلها يوميا ويعمقون منها لإطالة أمدها والمتاجرة في معاناتها ببيع السلاح لأطراف النزاع وبيع الوهم للشعوب.

 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق