مدونات

مجرد تحية..

في وسط برد هذه الليلة المعتمة، خاطبت نفسي وقلت لما لا أهدي بعض الكلمات المبعثرة لبعض النفوس، حتى وإن كان أصحابها منشغلين الآن، أو لا حمل لهم لقراءتها، حتى ولو كان بعضهم لا يعرف الكتابة والقراءة من الأساس؛ فقط لأخبرهم: تحياتي.

تحية خاصة للمبحرين في عتمة هذا الليل، على أمواج بحر صاخب بحثا عن لقمة عيش حارة، والقارب يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، والموت يأتيهم مرة من اليمين ومرة من اليسار.

تحية خاصة لمن تقف على أبواب قسم الولادة، تصرخ وتئن وتتأوه، لتلد من سيكبر يومًا وينسى كل ما عانته من أجله، وشبح الموت الآن يطوف من حولها.

تحية لسائق حافلة ممتلئة عن آخرها بالعشرات والعشرات من الركاب مكتظين حيث لا يستطيعون التنفس، وفي مؤخرة الحافلة مراهقون طائشون لا يتوانون عن سبه بكل الأغاني، و يغنون له يا أيها السائق إن كنت رجلا  فاقلب هاته الحافلة رأسا على عقب، و من يدري قد يفعلها.

تحية لمن ذهبت لعدد غير متناه من الدجالين والنصابين والسحرة والمشعوذين، وكل الاطباء والفقهاء والمتخصصين، وجربت كل أنواع الأدوية و الأعشاب، وكل ما اقترح عليها من علاج، إلا أنها كانت تصدم في كل مرة، إلى أن فقدت الأمل في ولادة طفل يشكل امتدادا لها .

تحية لمن قضى عشر سنوات سجنًا، وفي الخمس سنوات الأخيرة لم يزره أحد، ولا زالت تنتظره عشر سنوات أخرى كاملة.

تحية لمن علم للتو فقدان أحد والديه و هو صابر محتسب لله، هناك في الصحاري البعيدة، حيث يحرس حدود الوطن.

تحية لمن يقف في بلاد المهجر، يهرب من مخبأ هنا إلى مخبأ هناك، يعيش الفردوس الأوروبي ككابوس متعب ومحبط، يكاد لا يمر عليه إلا وعيناه توشكان على الانفجار دموعًا، يشعر بحنق وغيظ لا حدود لهما، يرثي حاله ويشفق على نفسه، فلا هو قادر أن يعود إلى أرض الوطن، حيث لا يستطيع تحمل النظرات التي تنهشه في كل مكان، ولا حمل له على البقاء مطاردًا كأي لاجئ يتيم.

تحية لمن رأى حلمه يتبخر أمام عينيه وأجهزت عليه الأقدار دون رحمة، و لمن تشهد طلاقها بعد أيام من زواجها.

تحية لمن سيتناول آخر عشاء و يرتشف آخر كوب شاي، و هو ذاهب لمعركة تحرير الوطن التي قد لا ينعم بأيام إستقلالها.

تحية لمن أحبها و غامر بكل شيء من أجلها، و من شدة حبها صارع أهلها و أهله، و اشتغل في كل عمل شاق لا يتحمله إلا عاشق حتى الموت، و في ذات صباح استفاق فوجدها جمعت كل شيء و اختفت، كأنما كانت مجرد طيف من السماء.

تحية للأم التي تقضي أعيادها وحيدة، بعد أن انفض من حولها صغارها الذين لم تعد تحلو لهم الحياة، إلا وهم في أحضان العاهرات.

تحية لمن اكتشفت أنها عاشت في وهم، و وثقت في وهم، وأحبت وهم، و استفاقت على أكبر وهم،
تحية للموجوعين والحزانى والبسطاء والسكارى والمساجين، و تحية لمن يتألمون في صمت و يتجرعون مرارة العيش شيئا فشيئا، و تحية لمن يشرب الدواء تلو الدواء.

تحية لمن استطاع أن يمشي حتى خط النهاية، و تحية لمن توقف في وسط الطريق، فله عذره.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 
الوسوم

boufouss omar

كاتب و مدون و محرر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق