مدونات

مجتمع المخاطرة شعاره الفوضى ولا مكان للاستقرار فيه

نحن نعيش اليوم في مجتمع المخاطرة حيث نتواجد في عالم محفوف بالمخاطر والكوارث الطبيعية بسبب حماقة الإنسان وجريه وراء المادة والمصلحة الخاصة على حساب الإنسانية جمعاء. فالإنسان هو مَن تسبب في الإضرار بالبيئة، وفي الاحتباس الحراري، وهو مَن زرع وكوّن الإرهاب.

المجتمع والأخطار العالمية

بدأت تتكون لدى المجتمعات في كافة أنحاء العالم أفكار وقيم لتواجه الأخطار العالمية التي لا تمس دولة واحدة بل الكل، والتي لا يمكن القضاء عليها أو إيقافها بغلق الحدود أو طلب تعويضات على الخسائر والأضرار الناجمة عنها.

لا يمكن لدولة بمفردها إيقاف الصناعات التي تسبب الغازات المضرة بالغلاف الجوي للأرض والتي تتسبب في ارتفاع درجة الحرارة بالكوكب، كما لا يمكن لدولة لوحدها أن تقاوم الإرهاب العالمي حيث لا جنسية له، أيضًا لا يمكن لدولة بمفردها أن تحارب وباء الكورونا الذي انتشر في العالم ولم يتوقف عند الحدود.

ما نلاحظه في كل أنحاء العالم أن المجتمع الصناعي يسير إلى طريق الاندثار تاركًا المجال شكل مجتمعي أخر وهو مجتمع المخاطرة الذي لا يعترف بالاستقرار وشعاره الفوضى لا غير، مما جعل العديد من الخبراء يؤكدون أن دلالة المخاطرة أصبحت شديدة في مجالات اللغات التقنية والاقتصاد والعلوم الطبيعية وكذلك في لعبة السياسة.

وتتركز المبالغة في شأن المخاطر على العلوم الطبيعية، كعلم الجينات البشرية وتقنية النانو وطب الإخصاب. وبسبب التطور السريع لهذه العلوم فإن الخيال الثقافي أصبح عاجزًا وغير قادر على مواكبتها.

مجتمع المخاطرة حافل بالكوارث وغياب الأمان

نشأ مناخ أخلاقي جديد يتأثر بالقيم الثقافية لكل بلد؛ بسبب الفشل في معالجة المخاطرة من طرف المؤسسات، وكلما تغلغلت المبادئ والقيم في العلوم والتكنولوجيا قل تأثير الخبراء وسلطتهم. ويكون للبرلمانات ووسائل الإعلام والجمعيات ورجال القانون دور وحق في إبداء الرأي.

على مجتمع المخاطرة أن يفكر كيف يعيش في كوكبه في الحاضر وكذلك المستقبل في عالم بدون مخاطر ويجب أن يأخذ قرارًا يمس مستقبله.

والمقصود بـ”مجتمع المخاطرة”: هو مجتمع الكارثة حيث تهدد الحالة الاستثنائية بأن تصبح حالة عادية، فهو مجتمع الا أمن. حيث لم تعد المخاطر شأنًا داخليًا أو إقليميًا بل تمس كل العالم، ولا يمكن لأي دولة أن تجابه الأخطار لوحدها، وهنا للعلم دور مهم في كشف المخاطر وشرحها للناس.

العلم يمكنه أن يتوقع المخاطر العالمية كالزلازل والتغير المناخي والإرهاب والأزمات المالية. هناك تغيير في المجتمعات وتحول مهم نتج عنه وعي بيئي في المجتمع ورتبت مسؤولية أخلاقية على مستوى كوكب الأرض في اتجاه مستقبل أحسن.

لقد أصبح القلق ينتاب الجميع ومهمة الجميع التصدي للمخاطر المختلفة والمتوقعة وخاصة المخاطر البيولوجية والبيئية والأيكولوجية والاقتصادية والإرهاب.

رغم خطورتها منذ القدم.. مجتمع المخاطرة اليوم أشد قسوة

منذ أن خلق الإنسان وأتى آدم -عليه السلام- الأرض وهو يجابه المخاطر، كانت المخاطر تأتيه من الطبيعة، سيطر عليها بصناعة أدوات وتمكن من استغلالها لصالحه.

وتمر السنين ويصل الإنسان إلى قمة التطور، وكبرت ثورته، إلا أنه لم يشعر بالأمان على قوته وحياته ومستقبله.

وأصبح مجتمع المخاطرة يعاني من انتشار الأوبئة والتلوث البيئي، وانتشر الخوف والقلق لدى الجميع على الحاضر والمستقبل.

هناك من يتساءل ويقول مستغربًا إن المخاطر قديمة وليست جديدة؟ ألم تكن المجتمعات السابقة مجتمعات مخاطرة؟ ألم يكن هناك عبر التاريخ مخاطر أكثر ضررًا من الآن؟ ألم تعاني الإنسانية سابقًا من الأوبئة والمجاعات والكوارث؟

للإجابة على تلك التساؤلات، لا ننسى أن المخاطر تصنع عالم جديد وأسواق جديدة، ويعتبر المشاكل العصرية مثل الاحتباس الحراري بسبب “الغازات الدفيئة” (ثاني أكسيد الكربون،وغاز الميثان) أكثر خطورة على حياة الناس وكوكب الأرض، بل يعتبرها الإنسان أخطر من الإرهاب والحروب.

فن إدارة المخاطر

كيف ومن يقرر خطورة الأخطار؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومن الذي سيتضرر؟ ولمن يرجع القرار في تعويض المتضررين في دول العالم؟

يتمثل مجتمع المخاطرة في أحداث متعاقبة على المجتمعات. مثل الإضرار بطبقة الأوزون، وإنفلونزا الطيور، وإنفلونزا الخنازير، ووباء الكورونا، فهي مخاطر متعولمة. ومن هنا جاءت تسمية المجتمع الحالي بمجتمع المخاطرة بسبب تنديده ونقاشه المستمر حول المخاطر.

واختم بالقول، إنه علينا كمجتمع عربي أن نتعلم كيفية العيش والتعامل في هذا العالم الجديد، مجتمع المخاطرة، بأبعاده الاقتصادية والسياسية والبيئة والعلمية والمعلوماتية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق