مدونات
أحدث المقالات

مجتمعنا وآفة التقليد

كلنا تابعنا قصة الطالب الجامعي الذي احتضن زميلته أمام الناس، والجميع استنكر وغضب، وتكلم من الناحية التربوية والأخلاقية والتأديبية، إلا أن تلك المشكلة كغيرها من المشكلات الاجتماعية تحمل الكثير من العوامل المتداخلة، والتي يجب دراستها والاهتمام بها جميعها، وعدم النظر للأمور من زاوية واحدة.

لذا فإن تلك الحادثة دفعتني للتفكير بها من ناحية أخرى، وهي ناحية مشكلة التقليد التي استشرت في مجتمعنا بصورة كبيرة وسببت الكثير من المشكلات، فلقد أصبحنا مجتمعا مقلدا بشدة، الناس تقلد بعضها البعض، وتقلد غيرها من المجتمعات والثقافات الأخرى، الشباب والفتيات يقلدون بعضهم، فما أن تظهر موضة معينة حتي تجدها انتشرت واستفحلت بغض النظر عن كونها مناسبة للمجتمع وتقاليده أم لا ومناسبة لكل بيئة أو كل شخص أم لا، فالجميع يقلد دون وعي أو إدارك.

لقد ساعد على انتشار هذه الظاهرة الإعلام والإنترنت، وسهولة الاتصال والتواصل بين الشعوب والثقافات، وسهولة انتقال الأفكار والتقاليع المختلفة، فاستورد الناس أشياء غريبة عن مجتمعهم وقلدوها: فتجد ملابس ممزقة، وقصات شعر مخيفة، وطريقة كلام غريبة، وقيم لا تناسب مجتمعاتنا، ولم يعد ذلك التقليد حكرا على فئة الشباب فقط، بل انتقل ليشمل كل الأعمار، وكل تفاعلات المجتمع وأنشطته وحياته اليومية، فأصبح  الناس يقلدون البعض في الزواج، وطرق الاحتفال، وأسلوب الحياة، وطرق التعامل، وفي نوعية الملابس، وطريقة الترفيه، وفي كل شيء تقريبا.

وفي الحقيقة، إن مشكلة التقليد تلك قادت الناس لمشكلة أخرى خطيرة جدا وهي مشكلة تكون صور ذهنية سيئة لدى الناس عن أشياء معينة، تتكون تلك الصور الذهنية لديهم عن طريق الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وعن طريق التقليد لغيرهم، وبالممارسة والاعتياد لفترات طويلة تترسخ تلك الصور في وجدانهم دون أن يشعروا، حتى تصبح لديهم مسلمات وقوانين لا تصح الأشياء بدونها.

  فإذا رجعنا للشاب والفتاة الذين تحدثنا عنهما في بداية المقال، سنجد أنهما مثل كثيرمن أبناء جيلهما، قد تشكلت لديهم صورة ذهنية معينة عن الحب، بأنه كلام الغزل، ومكالمات الليل، والهدايا المكلفة،والروايات والأفلام الرومانسية، وأن التعبير عنه يكون بطرق جريئة وصادمة، فصار هذا المعنى الشكلي الساذج الغير صحيح هو معنى الحب وأسلوبه الذي يظلون يحلمون به وينتظرونه، فهو إما أنه لا يأتي فيعيشون تعساء، وإما أن يأتيهم فيصمدون بعدها بالواقع بقوة ويفيقون على مشكلات قد تعصف بحياتهم لأنهم أدركوا صورة مشوهة عن الحب، ولم يدركوا  أنه هو ذلك الحب الهاديء الموجود داخل البيوت دون أن يحدث صخبا، أو يظهر نفسه مقلدا غيره، وأن هذا الشاب الذي يكافح ليصل لمحبوبته في الحلال، وتلك الفتاة التي تصون مشاعرها لمن سترتبط به، وهذا الزوج الذي يضحي ليسعد زوجته وأبنائه، وتلك الزوجة الصالحة التي تحفظ زوجها وتصون بيته وترعى ابنائه.

ولقد ارتبط الناس بتلك الصور وقدسوها، وطبقوها في كل نواحي حياتهم ولو كان ذلك على حساب راحتهم وسعادتهم، فتجدهم ينفقون أموالا لا يملكون غيرها على أشياء لن تفيدهم، لمجرد أنهم سيقلدون بذلك غيرهم، وسيحققون صورا معينة في أذهانهم، وتجدهم يقفون في طريق سعادة أبنائهم لأنهم يطلبون نوعا معينا من الأثاث، وشكلا معينا من الاحتفال، وطريقة معينة من الحياة لابنهم أو بنتهم، لمجرد أن تلك تقاليد المجتمع والسائد فيه، فيرهقون أنفسهم، ويزيدون من نسب العنوسة، والتحرش، والاغتصاب، والسرقة، والعلاقات الغير شرعية، لأنهم لا يريدون أن يعيشوا وفقا لظروفهم، بل يعيشوا وفقا للصور المتكونة في خيالاتهم والتي لا تناسب ظروفهم.

ولا يقتصر ذلك على مستوى اجتماعي معين، بالعكس فكلما ارتفع المستوى الاجتماعي زادت تلك الصور الذهنية رسوخا وتوسعا، فتنتقل لماركة الملابس، ونوع والهاتف، وموديل السيارة، ومدارس الأطفال، وطريقة الكلام، ومكان السكن، وغيرها، كل ذلك لابد أن يكون وفقا لأنواع وماركات معينة، لتشبه من هم مثلك في طبقتك الاجتماعية، حتى تصنف بأنك راق ومتحضر وثري، ولا تصنف بأنك متأخر ومتدني.

كل ذلك أدى إلى سيطرة المظاهر على الناس، الذين حاولوا أن يعيشوا تلك الصور التي ترسخت بداخلهم بأي طريقة، فسيطرت المظاهر الخادعة، والاحتفالات الصاخبة، والمجاملات الكاذبة، والصور المصطنعة، والبهرجة الزائفة، والرفاهية الزائدة ، والسلع المبالغ في ثمنها، والتقليد الذي جعل الأشياء مكررة وسخيفة، واختفت البساطة والعفوية والتلقائية، وتخلى كل منا عن خصوصيته واختلاف شخصيته، وعن  خصوصية كل بيئة، وكل موقف، وأصبحنا كلنا نفعل نفس الأشياء، حتى لا نتهم بالتأخر، ونوصف بالتخلف، فأصبحت الحياة بلا طعم ولا أحساس.

إن هذا التقليد والتكرار، وتلك الصور البراقة التي نعيشها، لا تبني البيوت من داخلها، ولا تحقق السعادة وتصنعها، ولا تجعل المجتمع مثاليا، ففي الماضي كان كل شيء بسيطا وتلقائيا، ولكن المشاعر كانت حقيقية، والسعادة كانت موجودة، والروابط كانت متجذرة، بينما اليوم زادت المشكلات، وكثرت الكراهية وزادت نسب الطلاق والعنف، والخيانة والجريمة ،وكل المشكلات الاجتماعية، لأننا ركزنا على الاهتمام بتجميل ظواهرنا وجعلها براقة، وتركنا دواخلنا ونفوسنا ولم نصلحها، لأننا نؤدي الأشياء دون حب ولا مشاعر، لأننا أصبحنا أسرى عادات وتقاليد وصور معينة تتحكم في حياتنا.

فلنتخلى عن كل هذا العبث، ولنكن أنفسنا، ولنفعل ما نحب بالطريقة التي تروق لنا، ونعد لفطرتنا وطبيعتنا وتلقائيتنا، حتى يعود لنا الهدوء والحب والأخلاق.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

كرم التركي

باحث في العلوم الانسانية والاجتماعية وكاتب ومدون أسعى أحب الحياة واعشق المعرفة ومؤمن بقوة الكلمة وتأثيرها وأن الكتابة رسالة لابد أن نؤديها اعشق الحرية وأكره القيود وأحب العمل الجاد ومستعد أن أضحي في سبيل ما أؤمن به احب العمل الجماعي واتميز داخل الفريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق