مدونات

مجتمعات النمل الصامدة الصبورة التي لا تتصور سيلفي في المناسبات السعيدة


نظرًا لوصول الكائنات البشرية إلى النفق المسدود بسبب تماديهم في تعظيم المادة وتغييب الجانب الروحي الأخلاقي في حياتهم، فإنني أتجه نحو عوالم أخرى للبحث عن تلك القيم الضائعة – التضامن مثلًا – لدى كائنات أخرى ربما نزدريها في أحايين كثيرة، ولكن آن الأوان لرد الإعتبار لجميع الكائنات الحية في الوجود خاصة الكائنات المنتجة والحريصة على تقديم القيمة المضافة مثل النمل .

لست متخصصًا في علم الحشرات لأدرس هذه الكائنات من الناحية البيولوجية ، إنما أنا إنسان عادي باحث عن الحقيقة، هذه الأخيرة التي طالما استوقفتني في محطات من حياة كائنات عديدة في هذا الوجود الفسيح، وها أنا ذا أقف أمام دروس قيمة أخذتها من مجتمع النمل!

الدروس

1. التنظيم

2. السعي

3. التفاؤل والشكر

4. التضامن

 

1. التنظيم هو حياة النمل

أتساءل هل أخذتم مبدأ التنظيم نصف العمل من خبراء التدبير (gestion)! أكيد أن هؤلاء يحتاجون لدروس في التنظيم تحت إشرافكم أيها النمل فتنظيمكم ملفت للإنتباه فأنتم لا تحتاجون لقانون أو سلطة قهرية كبني البشر لتخضعوا للنظام وتنتظموا، بل تخضعون طواعيةً بدون رقابة تذكر.

2. النمل والسعي

أكيد لا تصومون رمضان ولكنكم لا محالة تستفيدون من بقايا طعام الآدميين الذين يأكلون بجشع في هذا الشهر الكريم، ستكون فرصة سانحة لكم لتجمعوا كمية ضخمة من الطعام تكفيكم شهورًا عديدة وأعوامًا مديدة، سعيكم لن يتوقف هنا بل أنتم مستمرون بعد رمضان دون كلل أو ملل لتوفير أمنكم الغذائي، ربما كنا في حاجة لكي تعلمونا كيف نحقق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي ونستقل عن الآخرين، السعي تلك الميزة التي تتميزون عن باقي الكائنات.

3. التفاؤل والشكر

تحاول النملة وتسعى وتسعى دون كلل أو ملل فإن حاولت إعتراض طريقها وهي تحمل حبة قمح فستغير طريقها وإن رميت حبة القمح بعيدا فستتبعها وتأتي بها، وفوق هذا وذاك لن تجد نملة يوما ما تشكو ظروف بلدها وتندب حظها، هي فقط تجتهد وتترك الباقي على خالقها ورازقها، وتشكره في السراء والضراء، فكما نعلم، جميع الكائنات الحية وغير الحية تعبد ربها ، فكذلك النمل يعبد ويشكر ربه على ما رزقه بل ويذكر غيره بالشكر، كما حصل مع النبي الملك سليمان عليه السلام، حينما مر بجيشه على مجموعة من النمل وأرسلت نملة تنبيهًا لشعبها بالدخول إلى المساكن لتفادي التحطم، ورد ذكر الموقف في الأية 18 من سورة النمل «حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ».

فنملة إستطاعت تذكير نبي بفضل الله عليه رغم معرفته القبلية بذاك الفضل، فسليمان عبد أواب لكن كانت فرصةً ليشكر ربه في تلك اللحظة بفضل النملة، لو كان جبارًا في الأرض لأمر بقتلها لأنها رفضت أن تستقبل موكبه وتهلل له! أو لن يهتم بحقها في الحياة بل سيترك جيشه يدهسها وقومها، لكن من تواضعه تبسم ضاحكا من قولها وهذا دليل على خفض جناحه لكافة المخلوقات.

4. التضامن

آه على التضامن تلك القيمة التي تلاشت في مجتمعنا فلن تجد من يواسيك لا في السراء ولا في الضراء، الأنانية السمة الغالبة كل يبحث عن مصلحته الذاتية ويقدس شخصه، لن تجد من يتضامن مع محنتك، مع فقرك، مع بؤسك، بل ستجد آدميين كل همهم أن يستفيدوا قدر الإمكان من وضعيتك، وخير دليل هو المنتخبين الذين يستغلون فقر المعدمين وحاجة المقهورين ليصلوا إلى كرسي السلطة، هل ستجد نملة تتضامن مع أخرى وتصور نفسها (سيلفي) لتنشره في وسائل التواصل الإجتماعي لتتباهى بفعل الخير لأختها! ، هل تصورتم يومًا نملة توزع النقود على فقراء قومها لتستفيد من أصواتهم في إنتخابات مجلس النمل!

أكيد أن هذه الكائنات الصغيرة أرقى من أن تمارس هكذا تصرفات، فتضامنها مع باقي أفراد جنسها تضامن بريء بلا مصلحة، تضامن مبني على الحب الغير مشروط، تضامن مزروع في جيناتها بالفطرة فهي لم تدنس قيمها الفطرية مثلنا نحن البشر.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق