سياسة وتاريخ

متى يعاقب المجرمون؟

تداولت وسائل إعلام بريطانية وأوروبية أنباءً مفادها سحب جائزة لندن للتمويل من رئيسة وزراء ميانمار أونج سان سوتشي؛ عقاباً لها على جرائم حكومتها وجيش بلدها ضد مسلمي الروهينجيا العزل في إقليم أراكان المنكوب منذ 2012 وحتى الساعة، وخلال الأيام الأخيرة نجحت جامبيا في إحضار سان سوتشي إلى محكمة العدل الدولية لمسائلتها عن الانتهاكات بحق الروهينجيا.

وفي وقت سابق انتشرت دعوات لسحب جائزة نوبل للسلام من رئيسة الوزراء البورمية، لكن لجنة الجائزة صمت آذانها وبقي الحال على ما هو عليه، ما دفع بعض المواطنين حول العالم للتساؤل متى يسائل المجرمون الذين يصمت العالم المدعو زيفاً بالحر رغم جرمهم البين؟

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل ثلاثة أرباع القرن، وضعت الدول الخمس المنتصرة مواثيقاً لنشر السلام في العالم ومحاكمة المجرمين سواء في الحروب أو في وقت السلم، لكن لكل قاعدة شواذ.

عندما انتصر الحلفاء على ألمانيا النازية حاكموا قادة هتلر محاكمات استثنائية فيما عرف بمحاكمات نورمبرج، والتي أفضت إلى إعدام أغلب هؤلاء، لكن كان الإنجاز الأبرز في هذا المضمار هو تشكيل مجلس الأمن الدولي، والذي أنيط بالقائمين عليه مهمة تشكيل محاكم جنائية لمرتكبي الجرائم ضد شعوب العالم.

وعليه شكل مجلس الأمن محاكم جنائية في مختلف بقاع العالم، وكان أبرزها محكمة جرائم الحرب التي حاكمت الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوسوفيتش، ومحاكم جرائم الحرب الخاصة برواندا في أعقاب الحرب الأهلية صيف 1994، وكذلك محكمة جرائم الحرب الخاصة بكمبوديا، التي حاكمت بول بوت زعيم الخمير الحمر الذي نكل بمليون من بني شعبه، وأخيراً محكمة جرائم الحرب بليبريا التي سجنت طاغية البلاد الأسبق تشارلز تايلور.

وعام 1998 شكلت المحكمة الجنائية الدولية التي أسست بناء على ميثاق روما لمحاكمة منتهكي حقوق الإنسان ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، والتي للمفارقة لم توقع عليها سيدة العالم الولايات المتحدة، بل وزادت أمريكا على ذلك بتضمين دستورها بنداً يحمي أي أمريكي من المثول أمام المحكمة.

ويقودنا هذا الأمر لمسألة غاية في الخطورة تنتهجها الدول دائمة العضوية والتي تهيمن على القرار الدولي، ألا وهي العدالة الانتقائية؛ فهي تطبق العدالة التي تحمي مصالحها، وتمنع وتعطل ولو بالقوة تلك التي قد تطال حكامها، بالرغم من أن الأصل في القوانين المساواة بين الجميع.

ونفس الأمر ينطبق على محاسبة مجرمي القرن الحادي والعشرين، فسان سوتشي ليست وحدها في قائمة المجرمين الذين يجب أن يعدموا، بل يسبقها مئات وربما آلاف؛ مثل بشار الأسد، وحكام الإمارات، والسعودية، وحفتر الليبي، وجورج بوش الابن الأمريكي، وكلبه البريطاني المدلل توني بلير.

لكن هناك عاملين آخرين يحكمان محاسبة المجرم أو التغاضي عنها:

الأول: حاجة الدول الكبرى لهذا المجرم أو ذاك، فبشار الأسد يحمي إسرائيل، وهي من منعت سقوطه إلى اليوم، وحكام السعودية والإمارات وحفتر الليبي يرهنون موارد بلادهم النفطية للغرب مقابل الحكم حتى الممات.

الثاني: المنافع التي سيجنيها الغرب من التخلص من هذا المجرم، ففي حالة القذافي سال لعاب الناتو على النفط الليبي الوفير، فصار ذبح القذافي حلالاً على يد شعبه، وفي الحالة السورية؛ تعلل الغرب بالإرهاب والخوف على الأقليات الدينية من الغالبية السنية الثائرة، فردد مقولته السخيفة بوجوب الوصول لحل سياسي في سوريا.

وسان سوتشي موقفها أفضل من الأسد، فهي بوذية في جنوب شرق آسيا المنطقة الحيوية لمصالح الغرب، وتقتل مسلمين يعادي غالبية العالم دينهم، فلم المحاسبة والعقاب؟

ربما تحاكم سان سوتشي ومن على شاكلتها ذات يوم، ليس تحقيقاً للعدالة ولكن بعدما يكونوا قد استنفذوا مهامهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق