ثقافة وفنون

متى ظهر الإلحاد؟ مناقشة كتاب دين ضد الدين

تعامل الدكتور علي شريعتي مع مصطلح (الدين) في كتابه دين ضد الدين كمصطلح فكري وبالتالي فالمقصود به هو أن دين التوحيد دائما وأبدا كان يحارب دين آخر فحتى الكفر كان دينا مهما تغير شكله. ولم يكن الكفر بمعني الإلحاد الذي نعرفه نحن الان و لكن كان يتشكل بعدة أشكال القاسم المشترك فيها هو أنه ضد التوحيد. وأضاف أيضًا أنه مع التطورات الحالية لمفهوم الإلحاد وانتشاره كالنار في الهشيم أصبح الأمر أشبه بدين يسمى دين الإلحاد.

كتاب الدين ضد الدين هو بمثابة مجموعة من المحاضرات المجمعة للدكتور علي شريعتي، يبحث فيها عن مراحل تطور الإلحاد حيث لم يعرف العالم القديم هذه الظاهر. فكان النبي محمد و عيسى و موسى و كافة أنبياء الله و رسوله يواجهون تعدد الاله او الشرك بالله فقط و لم يتم ذكر الفكر الإلحادي في التاريخ في ذلك الوقت. يثرد د. علي افكاره و اطروحته خلال ٦ أقسام رئيسية. في هذا التقرير سأتحدث عن الفصل الثاني تحت عنوان “نعم هكذا كان يا اخي”.

في بداية الفصل يحكي الدكتور علي أنه كان يريد الذهاب الى القاهرة لمشاهدة الأهرامات، أحد أهم المزارات السياحية في مصر. حيث انه كان ولع بزيارة المعابد والأثار والحضارات القديمة كحضارة روما و مصر و الصين. ولكن عندما ذهب إلى هناك وجد مجموعة من الصخور المتراكمة بالقرب من الهرم الأكبر، ليعرف بعد ذلك أنها أخاديد للعبيد الذين لقوا حتفهم أثناء بناء الأهرامات نتيجة لظروف العمل القاسية من درجات حرارة عالية و عدد ساعات متواصلة. بالإضافة إلى حجم الأحجار الضخمة و قلة الإمكانيات لرفعها وجرها من أسوان جنوبا الي الجيزة شمالا.

و منذ ذلك الحين دهش الدكتور علي بالرابطة الانسانية و الروحانية التي وجدها مع هؤلاء العبيد أو الشهداء كما وصفهم. حيث أنه شعر و كأنهم إخوته الذين سبقوه تحت وطأة الظلم و القهر. ولكنه أشار أو ربط هذا بما قد ذكره سابقا و أن المدن قديما كانت دائما تبنى على أساس ديني، و أن سبب دفن العبيد هنا هو سبب ديني بحت لاسباب تتعلق باعتقاد المصريين القدماء البعث و الخلود. و ان هؤلاء العبيد سيقومون بدورهم بخدمة أسيادهم في الحياة الثاني بعد البعث. ثم استطرد بأن الحضارة و التمدن لا يعنيان سوى الحقد و التنكيل و استغلال المستضعفين البؤساء ومن هنا أخذ الاهرامات دليلا على كلامه فهي مبنى شاهق ضخم لا يرمز سوي للاستعباد و الجور عبر آلاف السنين.

ثم أخذ يتحدث مع أخيه “ بنا الاهرامات”، بأن هذا الظلم و الاستعباد الذي وقع عليه باسم الدين و الحضارة مازال يحدث باشكال عده حدث بيد القساوسة و الرهبان و خلفاء الله الذين يطوقون رقابهم بقلادات مختلفة، فباسم الزكاة يسرقون و ينهبون و باسم الجهاد يبعثون العبيد لميدان الحرب و يأخذوا هم المجد. و المصيبة أن هذا الهيكل أو المعبد دائما ما كان عامراً بدماء اولادنا و اجدادنا وهم يشيدوه. فهذا ما حدث مع وارثي فرعون و قارون حيث اصبحنا عبيد بلا إرادة، فدفعونا لتشييد المعابد والقصور في كل بقاع الارض و كان الهلاك من نصيب العبيد أما هم فكان نصر لهم و العزة لهم كان هذا هو الفكر السائد قديما قبل ظهور الديانات والكتب السماوية في حتى علماء هذا العصر مثل أرسطو الذي أكد على ان هناك أناس جاءوا إلى الدنيا ليكونوا رقيقا فقط ليقع عليهم الظلم و الضرب و التحقير و ربما الحدف على الهلاك كما حدث مع بناة الأهرامات.

حتى جاء لذلك الرجل الذي هبط من الجبل قائلا إني رسول الله، إني بعثت من قبل الخالق الله الواحد الأحد الذي يقول “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين”. و هنا بدأت نقطة تحول في تاريخ البشرية حيث أصبح الإله يتحدث مع المظلومين العبيد والمستضعفين و يبشرهم بالنجاة و يجعلهم ورثة الأرض فان هذا الدين ليس كسابقي فالله بعث من بيننا رجلا يتيما قد شاهدوه مرارا و تكرارا هو يرعى الغنم و يعيش مع جده تاره و تاره اخري مع عمه. فالله يبعث منا رسولا يجمع شملنا و يوحدنا و يجعلنا سواء أمام الله. فكان مختلف صلى الله عليه وسلم، كان يبني بيده منزله المكون من غرفتين او ثلاثة مصنوعة من طين و بلاطه من سعف النخيل.

و من هنا أخذ د. علي يعقد المقارنات بين الرسول الكريم و كهنة والقساوسة في المنهجية الفكرية و التطبيق علي أرض الواقع فالرسول الكريم جاء لينصف المستضعفون في الأرض فلم يكن يسكن القصور كان يعيش معهم و يشاركهم اعمالهم اليومية. و من هنا بدا د. علي في مقارنة بين خلافاء الرسول و من جائوا خلفهم بكهنة و القساوسة ليربط هذا بالظلم و الفرقة بين المسلمين و كيف تحول كلام الرسول و فعله باننا سوء امام الله و لا يوجد بيننا عبيد و امراء الي عدم، حيث عاد الحال إلي عصور ما قبل محمد و رجع أستخدمونا نحن المستضعفون لبناء القصور و تشيدها كما حدث في دمشق و الاندلس و باقي بلاد المسلمين.

رابطة المظلومين و المستضعفين في الأرض تظل هي الأقوي و الأهم في مواجهت دين الشرك فكان محمد صلي الله عليه و سلم قائدا و منصفنا لهم، فظلم دائما ما يكون بداية للوصول لدين الشرك او دين الالحاد في عصرنا الحالي. فدين الحق دائما ما يكون رمز العدالة و المساوة. و لذلك نري الهجمة الشريسة من دين الالحاد في العصر الحديث حيث انتشار الظلم و المستضعفون في الأرض بسبب ظروف الحياه الاقتصادية و السياسية التي تم تأسيسها علي الفوارق الطبقية، و إنغماس الإنسان في الملذات لكثرتها و تنوعها لأنها أصبحت متاحة أكثر و بسهولة أكثر مما مضي.

يمكننا القول أن د. علي كان ضد أشار في كتابه إلي نقد الحداثه و إنها تعد من الاسباب الرئيسية في انتشار ظاهره الا دين ( الإلحاد). مشددا علي أن علينا فهم فلسفة دين الشرك و ما هي الاختلافاته و ما هو العدو الذي نواجهه الآن فهو لم يعد مثل ما كان يواجهه نبينا صل الله عليه وسلم، فأصبحت الأمور أكثر تعقيد.

و يشدد د. علي ان دين الحق دائما ما كان يحارب و أن دين الشرك بنوعيه المجرد والعاري و المستتر هو من كان حكم على مر التاريخ. حيث قام بالستخفاف بالناس واستعبادهم ولم يعطي الفرصة لدين التوحيد إلا بأزمنة قليلة لا تقارن بما حكم دين الشرك. فيجب علينا فهم ذلك جيدا و عدم الإنسياق وراء المفكرين والمتنورين الغربيين بالقرون الإخيره في نفورهم ومحاربتهم الدين والتدين، و الدعوه إلي الإلحاد و تفكير العلمي الا ديني فقط. و فهم الإسلام فهماً متكاملاً، وعدم الاقتصار على فهم الأمور التي تتعلق بحياة الفرد فقط، بل فهم الاقتصاد والسياسة والمجتمع  والتاريخ ومتطلبات العصر، من منطلق الإسلام ذاته، لأنه عقيدة متكاملة، لكل زمان ومكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى