ثقافة وفنون

متسلسلة في فن الترجمة: مجالات الترجمة عند العرب (2)

تحدثنا في الجزء الأول من هذه السلسلة عن نشوء الترجمة كفن عند العرب، وهي ليست إلا كذلك، ولا يُطْلَقُ عليها النسبةُ إلى العلوم؛ لأنها لا تقوم على أسس؛ بل نظريات نسبية، تعتمد على أساليب جمالية تختلف من مترجم لآخر، وتحدثنا كذلك عن ملامح حركة النقل والترجمة في تلك العصور الأُوَلى، وروادِ الحركة ومحلليها اللاحقين، أما المجالات –التي انكفت في الباكورة على أنواع زهيدة من مجال العلم فقط كالكيمياء والطب والتنجيم– أضحت تتسع لتضم علومًا أخرَ، ومجالات الفنون والدين والفلسفة -كما أنف الحديث- وفيها نذكر:

  • العلوم:

الطب، والكيمياء، والصيدلة والحشائش (التي كانوا يستخرجون منها صناعة الدواء)، والهندسة والحساب، التي انصبت ترجماتها على المؤلفات الهندية واليونانية فحسب، ومنهما اشتق الخوارمزي رياضته، واستُعير الترقيم، وأخيرًا علم الفلك، وهو عندهم مقسوم إلى التنجيم –ويسمونه أحكام النجوم– ودراسة حركة الفلك -ويسمونه علم الهيئة-، وهو الذي يدرس حركة الكواكب والنجوم وتأثيرها على البشر.

  • الفنون: 

فيما يتعلق بالآداب فلم تغنِ الترجمات العربية غناءً بقدر ما أثريَت من أدب الفرس والهند، أما المسرح والشعر اليونانيين، فعلى الرغم من أن حُنين ابن إسحق كان يتغنى بكلامٍ منهما في الأسواق –وفي ذاك دِلالةُ أن العرب اطلعت عليه– إلا أنه ما بقيَ لم يصل لنا من ترجمته شيئاَ. 

وقد يكون ذلك راجعًا إلى ما اهتمت به حضارتهم، وعازته، وانتقصت إليه، ولكني أرجعه إلى ذوق الأمم، فقد نُقِلَ من الآداب الهندية والفارسية؛ ما يعني احتفالهم بذاك الحقل أيضا؛ وأنهم آثروا الآداب الشرقية لقربها من الفن العربي، وكذلك لقِدم الصلة بين الحضارتين المذكورتين والعربِ على مر الدهر.

أما الموسيقى فقبس العرب من مؤلفات اليونان فيها، وترجموا كل ما وقع تحت أيديهم، عدا أن التنويه وجب بأنها لم تكن لتعد فنًا عند الأقدمين، وإنما درجوها في تصنيف العلوم الرياضية، وخُطت فيها مؤلفات نظرية شتى، من أعظمها مؤلفات فيثاغورس، وسلمه الموسيقي، وهذه الترجمات كلها تمت مباشرة من اليونانية، وبعضها من السريانية، وكتاب واحد فيها من السنسكريتية.

  • الفلسفة:

أما الفلسفة فلم تُقِلّ العرب من غمارها، بل استفاضت في ترجمة فلسفة الإغريق، وخاصة المنطق الأرسطي الذي لقي رواجًا، وذاع في البصْرة، حتى أنه أثر في الفكر العربي، ونشأ على أسسه علومٌ، كالنحو والبلاغة على أيدي الخليل ابن أحمد، وتلميذه سيباويه.

وتمت هذه الترجمات أولًا على أيدي ابن المقفع بدءًا من القرن الثاني الهجري ناقلًا إياها من الفارسية إلى العربية، ثم ازدهرت تلك الترجمات عقبئذ لتلقى أوجها في القرن الثالث، لا سيما في عهد المعتزلي الخليفة المأمون؛ فنرى رواد المذاهب المختلفة ينهالون على تلك الفلسفات للإفادة من طرائقها الجدلية، وللأخذ بمسالكها المنطقية التي توطد شوكتهم، ومنها المعتزلة أنفسهم، والفرقة الكلامية التي تأثرت بالسفسطائية من حيث إقامة الحجة بالكلام المُزخرفِ، لا الدليل القياسي، ولا القطع المنطقي، وغيرهم. 

  • وأخيرًا الترجمات الدينية:

 وهذا ينقلنا مباشرةً إلى ترجمة الكتاب المقدس التي لم يغفل عنه العرب منذ النشأة الأولى، وهنا لاحظ أني أقول عنهُ لا عنها؛ أي أنني أشير إلى معرفة العرب بالكتاب المقدس ونصه قديمًا؛ بما أن أسفاره جمعت في أرضهم، ما بين مصر، والقدس، والشام، والعراق؛ فكان منهم بضعة، ولم يكن نصه بالغريب عن جلدتهم، بل كان اليهود أكثرهم من العرب اليمانية، أو من يثرب، وكانوا يُحاجُّون العرب بنصوص من التوراة يفسرونها (أي يترجمونها كما يشير ابن إسماعيل البخاري) بلسان عربي أبلج، وكان أحبارٌ لهم من العرب ككعبٍ وغيره؛ ولهذا نرى أن تاريخ الترجمة -كمنهج تتبعي- مفقودَ الأثر. 

أما الترجمة بصورتها التي نعرف عليها الكتاب المقدس فقد بدأت أولًا نتاجًا لحركة البحث والدراسة اللاهوتية أو الكتابية -أي الدراسات الدينية المقدسة- إضافة إلى تلك التاريخية، ولم تكن قط وليدةَ حركة الترجمة في ذاتها؛ فمثلًا قد نرى بداية ترجمة التناخ -أو التوراة- في القرن الخامس قبل الميلاد عند عودة شعب إسرائيل من السبي البابلي، وإقامة مملكة عُزَيْرٍ النبي،أو عِزْرا؛ وذاك إنما كان لحداثة اللغة وتطورها؛ فقد كان نسي شعبُ اليهود العبرية القديمة التي تكلم بها موسى وكتبت بها الألواح واستوعبتها التوراة؛ فكانت الترجمة لازمةً إلى الآرامية.

ومرةً أخرى في القرن الثالث قبل الميلاد أيضًا نجد الترجمة السبعينية؛ وهي ترجمة قام بها جماعة من سبعين حَبْرًا عبرانيًا إلى اللغة الروميَّة، والتي انتشرت في منطقة الشرق لهيمنة الإغريق عامة، والبطالمة خاصة منذ ذاك التاريخ -بعد وفاة الإسكندر (٣٢٣ ق.م)- على مصر، واهتمامهم بالإسكندرية كمنارة لحضارتهم، وعلومهم في الشرق، وسيادة لغتهم كان الدافع إلى ذاك في المقام الأوحد. 

وقد أضافت هذه الترجمة سبعَةَ أسفارٍ هم فضول على تسعةٍ وثلاثين شملها العهد القديم، وسميت بالأبوكريفيَّة؛ وهي نصوص من تراث المجتمع اليهودي الفاضل، ادُّعِيَ العثور عليها بعدما كان قد تم إخفاؤها أو ضياعها قديمًا؛ ولكنها بلا سند، ويُشَكُّ في وحيها. 

والعهدُ القديم ترتيبُ أسفاره يختلف عند المسيحيين عنه عند اليهود، ويتألف بشكل عامٍ من ثلاثة أجزاء؛ هي التوراة، ثم الأنبياء، ثم الكتب؛ فالتوراة يُعنى بها في هذا المقام توراة موسى، والتي هي خمسة أسفار: التكوين، الخروج، اللاوين، إضافةً إلى سِفْرَي العدد والتثنية؛ بينما تأتي بعد ذلك أسفار نزلت على أنبياء لاحقين على موسى مثل يوشع وصاموئيل وإشعياء وحزقيال، وتليهم أسفار الأنبياء المتأخرين، وهم انثا عشر؛ وآخرًا أسفار الكتب مثل مزامير داوود، والأمثال، وأيوب، ونشيد الأنشاد المنسوب إلى النبي سليمان… إلخ، وكل ذلك جميعًا يسمى التناخ، أو يعرفه المسيحيون بالعهد القديم من الكتاب المقدس، بعد إضافة الأناجيل المبشرِة إليه؛ وهي أربعةٌ (متى، ويوحنا، ومرقس، ولوقا) مستوحاة من تعاليم بولس الرسول (شاؤُل في اليهودية)، وتُتْبع برسالات الرُسُل إلى أهل البلاد المبشر فيها، وتَختلفُ المذاهب في الأخذ بها، إذ ليست من جزء الإنجيل، وإنما هي فضل عليه، وتعاليمها مستقاة منه، ولا تضيف إليه؛ لذا نجد الإنجيلية تأباها، ولا تعتد بها نصوصًا مقدسةً أو موحى بها. 

مر الكتاب المقدس بترجمات عديدة كانت بداياتها إلى اللغات الآرامية؛ والسريانية؛ واليونانية؛ والقبطية؛ واللاتينية بعد سقوط دولة الإغريق 146ق.م على أيدي الروم، وأخيرًا العربية، وكان أول من ترجمه إلى العربية بنسخة كاملة هو يوحنا -أسقف إشبيلية- في القرن الثامن، وتبعه في ذلك سعْديَا الفيومي، ويُذكرُ أن حنين بن إسحق نقل الترجمة السبعينية عن اليونانية إلى لسان العرب.

وكان أغلب ما انصبت عليه جهود الترجمة في صدر الإسلام؛ هو إقامة الحجة، والنصر في المعارك الفكرية، والمذهبية، والمناظرات الجدلية التي تقوم بين مسلم وذمِّيٍّ، وكان أول من يقف عند سقطات في قصص التوراة هو ابن حزم، وفي ذلك غير موضع ليس هذا مقامه، أما اقتباسات العرب وتضميناتهم للكتاب المقدس، فنجدها عند الأوائل مثل محمد بن إسحق -كاتب سيرة الرسول- والجاحظ الذي يورد في كتابه «الحيوان» نصًا من مزمور داود الثاني والأربعين، ويعالج النص معالجة أدبية مثرية «كما يشتاقُ الأيِّلُ جداول المياه، هكذا تشتاقُ روحي إليك يا الله»؛ وعند الأحدثين كذلك، أمثال المازني، الذي لم يترك فصلاً من كتابه «إبراهيم الكاتب» إلا وضمن في أوله آية من الكتاب المقدس، لا سيما نشيد الإنشاد السليماني، ولم يكن يقتبسها من ترجمة عربية، بل كان يترجمها من الإنجليزية لركاكة الأسلوب الذي ترجمت به عربيًّا؛ وأعاد توفيق الحكيم صياغته أيضًا؛ لنفس الرؤية السالفة.  

وإذًا فقد كانت نصوص الكتاب المقدس نهرًا فياضًا، وعينًا عذبة نهل من قطرها العرب في مختلف كتاباتهم، وإن ترجمة الكتاب المقدس كانت حقلًا ثقافيًّا مضيفًا، وإنتاجًا مثمرًا فيما يبدو، حتى أنها لم تتوقف الترجمات عندئذ، ولكن نقول أنه بالرغم من تواليها وتتابعها؛ نعْلَمُها تنوعت، ولم تَقْفُ المسيرةَ ذاتها؛ فنرى ترجمات سجعية حاولت أن تقترب بالنص المترجم من جماليات وبلاغات الصياغة القرآنية –بما أنه كتاب العرب المعجزةُ لغتُه– مثل ترجمة الصوباني، الذي حاول أن يؤلف معجمًا يضع فيه النص الإنجيلي مقابل النص القرآني مُرسَلًا، دون اقتطاع اللفظ المشابه في الحواية، ونرى آخرين ذادوا بالنص عن مشابهته للقرآن؛ تعصبًا، أو تجنبًا للخلافات الطائفية، فنتجت لنا النسخة الأحدث المأخوذ بها؛ وهي ترجمة البستاني-فانديك التي حاولت قدر الإمكان أن تبتعد عن أي تشابه مع النص القرآني؛ ولتضفيَ على الكتاب المقدس طابعه الخاص، ومذاقه الفريد، وإن كان على حساب حسن الصياغة العربية، وافتقار جماليات الترجمة. 

وإنك لن تجد الانكباب على ترجمة الكتب المقدسة بمثل هذه الصورة إلا في المسيحية؛ بما أن كتابهم -العهد الجديد أو الإنجيل- كُتِبَ للوهلةِ الأولى بنصٍ مترجمٍ أصلًا عن الروايات الشفهية الآرامية إلى اليونانية السائدة، وكان ذلك بعد العقد الثالث من وفاة المسيح 66م وحتى المئة الأولى من الميلاد؛ ثم منها ترجم كتابةً إلى لغته الأم -الآرامية- وبعد ذلك إلى السريانية، والعبرية، واللاتينية.. إلخ، على النحو الذي قدمنا.

 أما الرأيُّ فأن الكتب المقدسة لا تقبل الترجمة؛ فلو لم يكن لأنها ستفقد بلاغاتها، وجماليات نصها المنسق؛ فلأنها لا بد ستُدَلَّسُ عليها معانٍ، أو تُلتَبَسُ على أصحابها؛ ولأن دقة نَسْقها التي قامت عليه تحتمل مدلولات قد لا تقابلها أنساقُ لغات أخرى؛ فالقرآن عربيٌّ حتى النخاع، ويستحيل أن يُتَرجَم، إلا أن يكون تفسيرًا لمدلولاته، وهذا التفسير قد يستغرق صفحة لكل كلمة من كلماته العربية الدقيقة البليغة، ونظمه الأدبي المعجز إبداعُه؛ وكذلك التوراة لن تجدها بلغات مترجمة كما تقرؤها بالعبرية أو الآرامية،فإن كان النسخ والنقل يهلك النصوص ويفسدها ويبدل عليها ويكون ذلك في اللغة الواحدة؛ فكيف بالترجمة؟ وهو الذي يذهب إليه الجاحظ في «الحيوان» ونتعرض له في المقال التالي في هذه السلسلة. 

أحمد محمود القاضي

كاتب ومترجم، حائز ليسانس الألسن جامعة عين شمس، تتمحور كتاباته في مجالات الأدب السردي، وقضايا الفكر النقدي والفلسفي؛ باحث في مجالات اللغة، والدين الإسلامي، ومطالع لحقول التاريخ والآداب الإنجليزية والإيطالية، والسيكولوجيا، ومقارنة الأديان.
زر الذهاب إلى الأعلى