ثقافة وفنون

متسلسلة في فن الترجمة: الشيخ رفاعة (4)

هو رفاعة رافع الطهطاوي، ولد عام 1801م في قرية طهطا بصعيد مصر، وكان إمامًا يؤم المصلين منذ باكورة شبيبته، ولما كان في الخامسة والعشرين، وكانت قد شاعت موضة البعثات والهجرات الطلابية إلى –عاصمة الثقافة وملتجَأ الباحثين– باريس، منذ مطالع القرن التاسع عشر، في أعقاب ثورتها الحديثة، أرسله محمد علي على رأس بعثة إلى السربون في فرنسا؛ ليدرس هنالك ويتزعم الطلاب المبتعثين، فقضاهنَّ خمسًا، جمع فيهن في حقل خبراته بين القديم المتأصلِ في قوميته –غيرَ نابذِه، ولا مهمشه، ولا متغافلاً عن إرثه وعراقته– والحداثة الغربية التي فلْتَرَ فحواها؛ ليصفوَ له منها المفيد، الذي يشكل به مِزاجًا بين الثقافتين والحضارتين.

ذاك المزاج الذي يسهم في النهوض دون المخاطرة بذبول القومية ولا انزواء الأصالة، فجمع بين أصالة الشرق وحداثة الغرب، واغترف من كلتيهما قبسًا، وهو الذي لم يعرفه الكثيرون ممن فتحت أمامهم فرص السفر والتقاء الثقافات المغايرة؛ فمنهم من انصرف إلى الأخذ منها بلا انكفاف، وانكب عليها انكباب الذئب في المسغبة، ينهل من فيضها الذي حرمه منه ركود ثقافته القديم، ومنهم من نبذها وتعصب لموروثه، واتخذ مذهب المحافظة، فرفض منها الإفادة، ولفظها بما اشتملت عليه. 

ولذلك نقول أن رفاعةَ ما كان نموذجًا تقليديًا متكررًا؛ لذلك وجب الاحتفاء به عند الأقدمين –ولحين وقتنا هذا– ولم أجدني إلا دارسًا سيرتَه في كل فترة من حياتي –كرمزٍ من رموز مصر الحديثة– لا سيما هذي الأخيرة، التي تخصصت فيها في الترجمة؛ فكان هو بالمجاز لي أبًا، وجدًا، وجذرًا، وأصلاً، ولتخصصي مدرسةً.

وقد كافح الطهطاوي في بداية حياته -وحتى أواسطَها- في جبهات ثلاث؛ أولها مجابهة استبداد السلطان؛ إذ ساد عقول الحكام وقتئذ ظنٌ بأحقية التصرف في الرعية كيفما يرتأون، وبأنهم مالكوهم وأولياء نعمتهم، وثانيًا رفض الاحتلال وصنائعه سيان تركيًّا كان أو متمثلًا في التدخلات الأجنبية، كما كان عليه الثبوت -من جهة أخرى- أمام أولئك الثلة من الفشلة، الذين يمتهنون ما يعمله دون كد ولا جهد، ثم يأبون عليه أن يُفلِحَ هو، فقاموا يحاربونه بالتثبيط، والمؤامرات، والتعطيل. 

وكذلك عمل على ثلاث مستويات؛ حيث لم يكتفِ بالترجمة كمؤسس وحيد للنهضة، ولا أداة منفردة، بل رأى ضرورة الخوض في حقل التأليف كذلك، وإثراء المعارف القائمة بالجديد، إضافة إلى نشر التراث العربي، الذي هو أصل الثقافة ومنبعها، ولقد سعى حتى كان له ما أراد، وصدرت بالفعل -في تلك الآونة- الأوامر بطباعة مجموعة من الكتب العتيقة، ونشرها في البلاد. 

شيخ المترجمين

ورفاعةُ شيخٌ، ورفاعةُ مترجم، ورفاعة إمام المترجمين؛ بعد رجعته من البعثة 1831م، أنفق جهوده على التأسيس لمدرسة الألسن؛ حتى ينقل خبراته إلى جيل حديث من المترجمين، وطالبي العلم، ويعلمهم اللغة، وكان يختارُ هو لطلابه مجموعة من الكتب الفرنسية، التي كانت قد جذبته أثناء البعثة، والتي انصب أغلبها على التاريخ والجغرافيا، اللذين تخصص هو ذاته فيهما في فترةٍ متقدمة، بعدما أخذ -قديمًا- يترجم في كل مجال، حتى بلغت ترجماته التي ترجمها -أو أشرف عليها- ستمئة -أو يزيد- من الكتب.

كانت رسالة رفاعةَ هي نقل العلوم -في الأساسِ- وتعريبها، وكان هذا هو الغرض الرئيس لحركة الترجمة في ذاك العصر؛ بهدف استخلاص مناهجَ وموادَّ دقيقةِ الصياغةِ تُدَرَّسُ في مدارس الطب والهندسة وغيرها، وكان لكل مدرسة نشاط الترجمة الخاص بها؛ فكانت مدرسة الطب، وكذلك الطب البيطري يخصصان مترجمًا واحدا لكل كتاب، بينما ظل العمل في مجموعات في مدرستي الألسن والمهندسخانة؛ حيث يجتمع عدد من المترجمين على الكتاب الواحد يتقاسمون فصوله، ومع ذلك نجد أنهم كثيرًا ما تركوا كتبًا فصولَها، أو نجد كتبًا أُخَرَ قد شُكِّلَت من مجموعة فصول متباينة المصادر، وغير ذلك من ظواهر بدايات حركة الترجمة. 

عُين رفاعةُ مترجمًا في مدرسة الطب -سنتين- ومدرسًا فيها، وكان يُعلم اللغة الفرنسية طلابَه، ويبدع في ذلك، ثم نُقل إلى مدرسة المدفعية، ثم استقر في طهطا أشهرًا ستة –لانتشار الطاعون في ربوع القاهرة– ترجم فيها “الجغرافيا العمومية”، وبعدما تولى عباس الأول خلافة الدولة العلوية، ألغى مدرسة الألسن؛ ليوفر الإنفاق، ويعالج الاقتصاد المتأزم، فسافر الطهطاوي إلى السودان ليقضي فيها سنين ثلاث، عمل فيهن ناظرًا لمدرسة الخرطوم الابتدائية، وعرَّبَ فيهنَّ «تليماك» الشهيرة. 

وكان من ترجماته أيضا -والتي قدمها للجنة الامتحان في البعثة- «الشَرْطة» التي عربها عن Charte الفرنسية، وتعني الميثاق؛ وهي مجموعة قوانين الدستور الفرنسي كما وضعها لويس الثامن عشر، ويقول عنه أحد النقاد أن أكثر ما أبدع كان في حقل ترجمة القوانين الفرنسية التي تسمي بالـ أكواد. 

ابتدأت هذه الحركة من قبل البعثات على أيدي جماعة من الهواة المصريين والسوريين، الذين انتشر لدنهم المغالاة في البلاغة العربية بما لا يحتمله المعنى، والتفخيم في اللفظ والتعابير، حتى عادت البعثات فأنشأت تقارب النص الأصلي، وتُعني بروح المعنى أكثر ما تولي الصياغة والحِرَفيَّة التعبيرية اهتمامًا، وبالطبع كان رفاعةُ أولَ من تميز بذاك أسلوبه، على الرغم من مجانبة ذاك المفهوم للعناوين التي لم تنفك حينها تلزم السجع القديم والمبالغة التي لا تحترم حدود المعنى في النص الأصلي، وأحيانا قد لا تُتَرجَم العناوين بالمعنى ذاته الذي حواه النص الأصلي، ويمكن لأسلوب رفاعة في فن الترجمة أن يتمحور في جمعه بين حسن الصياغة وجمال اللفظ من جهة، والاهتمام بالمعنى وروح النص الأصلي، إضافة إلى اهتمامه بالبلاغة العربية القديمة وملازمتها، إلا أنه كثيراً ما كان يغالي في مقاربة النص الفرنسي، والالتزام بتعابيره، حتى أخرج نصًا يكاد لا يخلو من العجمية بعض الشيء، وقد جعل لنفسه معجمًا خاصًّا يجمع فيه المفردات، والألفاظ الغريبة، ومقابلها في اللغة الأعجمية كذلك.

ولكن بعد ذلك، صدر مرسومٌ يوكل إلى شيوخ الأزهر إسهامًا في حركة الترجمة، أو لتخيُّر الألفاظ السديدة والتعابير، أو لتصحيح ومراجعة المصطلحات، أو تعريبِ وإضافة اشتقاقات جديدة من اللغة العربية إذا لزم الأمر، ولم تكن حركة الترجمة في البداية غالبًا عليها طابع التخصص؛ إذ كان المترجمون يتخرجون من مدرسة الطب، ثم تسند إليهم أعمال في الهندسة، أو التاريخ، وكذلك كان المترجمون في التاريخ، أو الرحلات -فور ما يقضون مهامهم- توكل إليهم أخرى في الكيمياء والفيزياء والرياضيات، لكن نقول أن الاتجاه صوب التخصص قد بدأ جليًّا مع ازدياد دفعات الخريجين الجدد؛ فبات أصحاب مدرسة الطب يترجمون فيما تخصصوا فيه، وكذلك المهندسخانة، حتى رواد الألسن تخصصوا في التاريخ وآدابه. 

وهذا يقودنا حثيثًا -في آلة زمنية تحليلية- إلى عصرنا الحاضر، وإسهاماتِ الأحفاد الألسنيين في حقل الترجمة؛ وذلك من خلال التراجم التي تمت في المركز القومي للترجمة المؤسس بقرار جمهوري من الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عام ٢٠٠٧م –بحسب ما يسرده د. ماجد مصطفى في كتابه «العرب والترجمة» الذي استلهمت منه هذه السلسلة، وعرضت فيها ملخصًا أغلبَ نقاطه– وهذه الإسهامات تمت بلغات متعددة كان نصيبُ اللغات الأوروبية منها الأوفرَ، حيث تصدرت اللغة الإسبانية، وتلتها الألمانية، ثم الإيطالية، ثم الفرنسية، ثم الإنجليزية؛ مما يبرهن على تأثر المجتمعات العربية بمنارة الحضارة الغربية، التي تمثل في عصرنا الحالي أوج الازدهار. 

ولم تسهم في هذا الإثراء من اللغات الشرقية غيرُ ثلاثٍ فقط؛ هنَّ الصينية، التي تمثل القوة المتنامية في وجه الغرب المتزعم، والعبرية التي تعبر عن الوجود اليهودي -الذي يؤرق العرب- في المنطقة؛ والفارسية التي لها مع العربية باع وباع، وفي التأثر والتأثير صولات وجولات من لدن العصور الوسطى حتى النهضة الحديثة. 

ومن تلك الإسهامات -التي بلغت 150 كتابًا ترجمها أساتذة أقسام اللغات المختلفة في كلية ألسن جامعة عين شمس- وعلى الرغم من كون هذه الكمية من المساهمات محدودة ولا تتجاوز القليل من مجمل الثلاثة آلاف كتاب، إلا أن الملاحظة الأدعى هي تصنيف الموضوعات التي تناولتها تلك التراجم؛ حيث كانت في المقام الأول أدبية إبداعية، ثم تاريخية، ثم فكرية فلسفية، ولم يكن للعلم نصيب من تلك الإسهامات، الأمر الذي يعود بي مرة أخرى -وبنفس الآلة الزمنية التي أتينا بها من هناك- إلى عصر الرفاعة، حيث الهدف الأسمى والأول والأوحد لنشوء حركة الترجمة؛ وهو نقل العلوم! 

أما الحال التي تركنا عليها القرنُ الحادي والعشرين فهي حال المجانبِ للعلم -كما وصفها د. جابر عصفور صاحب المشروع القومي للترجمة 1995م- والفاصل للثقافة عن العلوم، كأن ثقافاتنا العربية لا تزال العلوم لا تشكل في قوامها أساسًا، وتعاملها بهامشية على حد تعبيره، ويكأن الثقافة غير العلوم! والعلوم غير الثقافة! فينتج لنا جيلًا من المترجمين غير الأكْفَاء في مجالات العلوم كالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والأحياء، والفلك، التي كانت العرب -قديما- أول من ترجم فيها وألَّف بأبجديتنا العريقة؛ لأن المدارس والكليات المتخصصة في تدريس اللغات والترجمة، أغفلت تدريس مصطلحات تلك المجالات وتعريبها، وينتهي بنا المطاف إلى موت رسالة الطهطاوي التي لم تتم، ولم يكتب لها أن تستتم.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد محمود القاضي

كاتب ومترجم، حائز ليسانس الألسن جامعة عين شمس، تتمحور كتاباته في مجالات الأدب السردي، وقضايا الفكر النقدي والفلسفي؛ باحث في مجالات اللغة، والدين الإسلامي، ومطالع لحقول التاريخ والآداب الإنجليزية والإيطالية، والسيكولوجيا، ومقارنة الأديان.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق