ثقافة وفنون

متسلسلة في فن الترجمة: الترجمة عند العرب

لا ريبة في أن المجتمع العربي لم تخليه نزعة العرقية، ولا التعصب القَبَلي، ولم تفارق العربَ حميتهم الجاهلية إلا صدر الإسلام؛ فكان الإسلام محوِّلَهم عن قوميتهم القبلية، وانتسابهم، إلى قومية أشمل؛ هي مفهوم الأمة، الذي تقوم أصوله على أساس الانتماء الديني، والعقائدي، والفكري، وهو مفهوم أعمق من النسب؛ ثم باتساع الدولة الإسلامية، وتزايد الداخلين في العرب من غيرهم -بحكم الغزو العربي، والفتوح الإسلامية- كان أن اتسع مفهوم العرقية النسَبية إلى عرقية جغرافية، وحتى لغوية؛ تدْرِجُ في تصنيف العرب كل من تحدث لسانَهم عن أصل نشأة، وربا في أواسط حضارتهم، وإن لم يكن من أمة المسلمين، ولا جملة العربيين العرق والنسب.

وكان للعرب علوم ناشئة عُدَّت هي أول النهوض في الجزيرة، وحتى البقاع الداخلة تحت حكم العرب جميعا، وكانت هذه العلوم تتبلور أغراضها في اتجاهين؛ أولهما طلب الدرس الشرعي، وفهم القرآن والنص الديني؛ مما أنتج لنا العلوم النقلية، التي انكبت على معارف الشريعة من التفسير، والحديث النبوي، وعلوم السِيَر، وغيرها مما يُتَناقل خبره، ولا يُجَرَبُّ استحداثه، أو الكشف عنه؛ أي لا يسري عليه المنهج العلمي الأرسطي من حيث الاستقراء والقياس.

وأما ثاني هذي الأغراض فكان تنظيم شئون الدولة الإسلامية التي وسَّعت الغزواتُ أطرافها، ولزِمَ لذلك طلبُ العلوم الدنيوية، التي تصلح للناس دنياهم، وتقيم أمورهم، وتسهل حياتهم؛ كالطب؛ وعلم الصنعة أو الكيمياء؛ والهندسة؛ والحساب، ونحو ذلك كله.. وما كانت تلك العلوم لتستقيم، ولا لتزدهرَ مجالاتها بغير حركة الترجمة، التي عرفها العرب على رأس المئة الأولى من الهجرة، أي منذ أوائل القرن الثامن الميلادي.

وبمطالعة فهرست ابن النديم، الذي هو أهم مصادر العرب القديمة في تتبع حركة النقل والترجمة منذ نشوئها حتى زمان تأليفه إياه في القرن الرابع الهجري (أي العاشر الميلادي)؛ نجد أن أول العرب الذين أسسوا لهذه الحركة وأسهموا فيها كان خالدًا بن يزيد بن معاوية الأموي، وذاك لما أن كان للدولة ما كان من ثراء، وانصلاح يوشك أن يوصف بالترف والرفاهة –إذ لا يقارن بعصور النهضة فيما بعد ذلك خلال عصر العباسيين– ورغب خالدٌ –وكان نابغةً فصيحًا، يؤثر العلمَ، ويحسن اللفظَ والنظْمَ– في دراسة الكيمياء التي أولع بها، فلما أن كان علمه بنبوغ درْسها في مدرسة الإسكندرية؛ بعث إلى هنالك يستحضر فلاسفةً يونان، فأوكل إليهم ترجمة ما لديهم من الكتب اليونانية والقبطية في ذاك الباب، والتمس منهم ذاك العلم، حتى انتسب إليه.. وبذلك كان غرضه وغرض الموالين له في مشارف هذه الحركة هو نقل العلم، وتفسيره (أي ترجمته)؛ بغرض تعلمه، ودرسه، وتطبيقه عمليَّا، والزيادة عليه من حيث انتهت تجارب السابقين.

وكذلك كان عمر بن عبد العزيز -بعده بيسير- آمرًا بترجمة أولى الكتب من اليونانية عن التنجيم وأحكام النجوم في علوم الفلك، وهو كتابٌ لهرمس الحكيم؛ وتدليلا على ذلك نرى أن الترجمات كلها انصبت غايتها في الكيمياء، والطب، والفلك، دون الآداب والفنون، ولا الفلسفة، ولا الدين؛ ربما هذا يفسرُه حاجةُ حضارتهم آنذاك، وأن المرءَ إنما يستزيد مما ينقصه، ويفيد منه؛ وقد نقول أيضًا أن المسلمين في صدر الدولة الإسلامية الأولى -الأموية- خافوا مقاربة الفكر الوثني اليوناني من جديد، أو إطْلاع عقول الناس على هرطقات الفلسفة الإغريقية؛ لما فيها من تشطيط للعقول عن صميم الدين وأصله، وكانوا آخذيه تناقلًا يحفظونه بينهم، فلم يكن بعد علم الحديث، ولا التفسير، ولا حتى علوم اللغة والبلاغة، ولم تكن الدولة الإسلامية استقرت حضارتها؛ فكانت دائمة الحروب السياسية الخارجية، متأججة الفتن الداخلية، لا سيما في أول دولة معاوية، ومن بعده يزيد؛ ورغبة بعض الصحابة الثأر للخلافة الراشدة، حتى أن ابن الزبير اعتصم بالكعبة ومعه كبار الصحابة، اكتجاجًا على خلافة اليزيد معاويةَ، فأحرق بهم الحرم.

بينَا نحن نرى النهلَ من مختلف المعارف الإنسانية والعلوم في عصر العباسيين، ولما أن استقر للدولة كيانها، وثبت ما ثبت لها من عز وازدهار يعينها على نيل ما تطلبه حاجتها، التي اختلفت بالطبع مع التقدم الحاصل؛ فأخذت تتمحور حول الفلسفة، والدين، والفنون، كما كانت تستزيد في العلم أيضًا؛ ولم تخشَ التطرق إلى الثقافة الدينية الغيرية، حتى الوثني منها؛ وقد نرجع ذلك إلى اجتثاث أساس لا يخور من العلم الشرعي الذي يؤصل الدين، ويعمِقُ الفكر الإسلامي في نفوس أبناء الدولة؛ وعلوم اللغة التي تحفظ القومية والهوية كذلك؛ فضلًا عن ظهور المذاهب المختلفة، التي أرادت اقتباس أساليب الجدل، والحجاج المنطقي من فلسفة الإغريق ليُفحمَ بعضها بعضًا.

أما اللغات التي ترجموا منها في هذا العصر المتقدم؛ فكانت اليونانية، والسريانية، والقبطية، وكان المترجمون غالبًا من اليونانيين والسريان.

وهكذا أراد ابن النديم أن يجمع كل ما كان في حركة النقل والترجمة الأولى عند العرب؛ بما أنهم رأوا الرجعة إلى الأصول القديمة، للإطلاع على آخر ما توصلت إليه الأمم؛ فلزمهم فن الترجمة، ولذلك يفصِّل ابن النديم تأريخًا لكل كتاب -وصاحبه- حمل العربية في صياغته، سواء تُرجِمَ عن علم أعجمي، أو ألِّفَ بلسان عربي مبين.

 

ملامح حركة النقل والترجمة حتى القرن الرابع الهجري:

 

وإننا لو أردنا أن نعنون تلك الملامح، أو نعدها في نقاط؛ وجدنا أولها اجتهاد أولئك في العودة إلى الأصول، والتدقيق في النصوص ونسبها إلى مؤلفيها؛ لا سيما أن الإغريق عرفوا النحْلَ في المؤلفات، ومن بعدُهم، فكانوا ينسبون المؤلفات إلى غير أصحابها؛ تارة للمكائد والصراعات، وتارة لأغراض سياسية واجتماعية وتاريخية تتعلق بانتصار ثقافة على أخرى، أو مذهب على تيار فكري آخر؛  وتارة بغرض التخفي من أعين الرقابة مثل الادعاءات التي جرت بنحل كتابات أحد نبلاء العصر الذهبي في انجلترا على شيكسبير المزيَّف -وتلك أسطورة نضرب بها المثل فقط- وقد تكون الأغراض أحيانًا ربحية تتعلق بالرواج التجاري؛ فبالطبع حينما ننحل مؤلفات على أسماءِ عِظام الحكماء والفلاسفة من الأرستقراط والنبلاء الأثينيين، كإقليدس، وسقراط، وأبقراط، وأرسطاليس مثلا؛ لا بد أن يلتف الناس حولها، على غير الحال إن يكن المؤلف مجهولًا أو مقطوعًا.

وهكذا نرى أن هؤلاء النهضويين الأوائل عرفوا المنحول وكشفوه، ولم يتركوه مع ذلك، بل أفادوا من علمه، وعل ما عاونهم في ذلك التدقيق أنهم كانوا متخصصين فيما ينقلون فيه من حقول العلوم المختلفة؛ فحُنَينٌ بن إسحق صاحب مدرسة الترجمة الأولى هو طبيب في الأساس، على سبيل المثال، لا الحصر.

وثاني هذه الملامح هو إضافة المصطلحات التي تعين المطالع على فهم المترجِم، وهذا ما استصدره ابن النديم حصرًا في الفهرست؛ حيث استعرض مفاتيحَ مثل: ‹ترجَمهُ› و‹نقله› للدلالة على عملية النقل من لغة إلى لغة؛ و‹فسَّرَه› للدلالة على وجود تفسيرات للمحتوى، وتعليق على نصه كما هو الحال في مؤلفات أبقراط الطبية؛ و‹أضاف› أو ‹إضافة› ليدل على وجود جزء مضاف لم يوجد في المصدر المنقول عنه؛ واستخدم كذلك تعبير ‹إصلاح الترجمة› للإشارة إلى التدقيق والمراجعة التي تعقب عملية الترجمة نفسها، كما كان يفعل حنين بن إسحق مع تلامذته عقب انقضاء شُغلهم؛ وأيضًا تعبيرات مثل ‹مجهول النقل› –التي تبين لنا أن الترجمة التي انحصرت في البدايات على طبقة البلاط، عادت تتسع لترتبط بحركة الطلب على العلم والنهضة، وتبِيْنُ لنا أيضًا أن عدد المترجمين فاق بكثير ما هو مشهور لدينا– أو ‹نقل قديم› في إشارة إلى الترجمات القديمة للمؤلفات اليونانية، والتي لم تخضع لإعادة صياغة أو ترجمة.. وهذا إن دل فإنما ينم عن دقة ابن النديم التي يتحراها في منهجه، خاصة أن غيره لم يلق بالا لمثل تلك التصنيفات، مثل الجرجي زيدان الذي لم يعرف من هذه المصطلحات غير «نَقَل»، وكفى!

وأما الملمح الثالث فيتلخص في تعدد الترجمات؛ إذ كانت بعض المؤلفات تترجم إلى أكثر من لسان، ولابن إسحق مدرسته في ذلك؛ حيث دأب على ترجمة الأعمال اليونانية إلى العربية كرَّة، وأخرى إلى السريانية، وكان أحيانا يُترجَمُ مؤلفاتٌ إلى العربية، ثم منها إلى غيرها، وهنا نجد العربيةَ لعبت دور الوساطة بين الثقافات، وكانت كما المنارة للغات الأخرى؛ تطلعها على الثقافات التي وضعت بينها وإياها الحدود اللغوية والجغرافية.

وهذا ينقلنا لملمح فريد ومهم جدًا؛ وهو ضياع بعض الأصول الأجنبية أحيانًا بعد ترجمتها، لتبقى الترجمة العربية هي الأصل الوحيد لهذه المعارف، والمرجع الحافظ لهذه الثقافات من الضياع؛ لتلعب دور المتفضل على النهضة الأوروبية في آن لاحق بأن تُنقَلَ منها إلى اللاتينية –واللغات الغربية المنبثقة عنها– بعضٌ من حضارة الإغريق التي اختفت واندرست أصولها اليونانية، وبعضٌ آخر من الحضارات الشرقية كالهندية والفارسية، وكمثال على ذلك كتاب كليلة ودمنة الذي اختفيا جميعًا أصله الهندي والفارسي كلاهما، ولم يبقَ ليُرجَعَ إليه غيرُ ذاك العربي الذي ترجمه عن الفارسية ابن المقفع، وتأثر الغربُ به في قصص الحيوان والطير.

ومنها أيضًا إعادة الترجمة التي كانت من ظواهر تلك الفترة، مثل أن نرى كتابًا كأصول الهندسة لإقليدس، يترجمه الحجاج بن يوسف ترجمتين في عهدين مختلفين؛ أما الأول فهو عهد الرشيد، وأما الثاني فهو عهد المأمون المثمر بالترجمات الفلسفية أشد الإثمار؛ وكذلك مؤلفات تعاقبت عليها الأجيال مثل الكتاب المقدس الذي لم تنته ترجمته عند أحد.

وآخر هذه الملامح هو اللغات التي ترجموا منها؛ وهي عشرة على التقدير: الإغريقيَّة؛ واللاتينية؛ والفارسية؛ والسنسكريتية؛ والقبطية؛ والنِبْطيَّة؛ والكلدانية؛ والسريانية؛ والعبرية؛ والآرامية، وكان المترجمون من العرب ومن غير العرب؛ مثل السريان، واليونان، والرهبان البيزنط في الأندلس، والمسيحيين الإسبان.

اقرأ أيضا: متسلسلة في فن الترجمة: مجالات الترجمة عند العرب (2)

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد محمود القاضي

كاتب ومترجم، حائز ليسانس الألسن جامعة عين شمس، تتمحور كتاباته في مجالات الأدب السردي، وقضايا الفكر النقدي والفلسفي؛ باحث في مجالات اللغة، والدين الإسلامي، ومطالع لحقول التاريخ والآداب الإنجليزية والإيطالية، والسيكولوجيا، ومقارنة الأديان.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق