ثقافة و فنون

متسلسة في فن الترجمة: الجاحظ والترجمة (3)

هو أبو عثمان عمرٌو بن بحر الجاحظ الزنجي البصري المعتزلي (869م-255هـ)، وهو أشهر الكتاب والأدباء والمؤلفين والمحققين في عصر النهضة العباسية، حتى عُدَّ أحيانًا فيلسوفًا، قضى سنين عمره -بصْريَّ النشأة- بين القرنين الثاني والثالث الهجريين، فكان هو ثمرةً لدقةِ الملاحظة، وغزارةِ العلم، وعلامةً جاحظةً على نهضة عصره.

ولا ريب أن من أعظم مؤلفاته على الإطلاق -إلى جانب كتابه البيان والتبيين- هو موسوعته الجامعةِ لمعارفَه الحياتية، وفلسفاته فيها؛ والتي أسماها «الحيوان»، وفي حيوان الجاحظ نطالع نصًا يعالجُ فيه موضوع الترجمة معالجة فاهمٍ حذِق، ومراجعٍ ضليع، ومحقق خبير؛ فبالرغم من أنه لم يمتهن الترجمة يومًا، ولم يعمل عملها، لكنه يجمع لنا ذاك -ويعرضُ- من خلال خلاصة خبرات صفوة المترجمين الذين عايشهم، وانصبت غالبية تراجمهم على اليونانية، والفارسية، والسريانية. 

في هذا النص -ملخصًا- يعرض الجاحظ لخمس قضايا؛ أولها إثمار عمل التدوين والكتابِ أكثرَ من عمل الشعرِ والعمارة، وفي قيمة الترجمة يقول ما دلَّ أنها تضيف إلى العلومِ الإنسانية التي تقرأ مجتمعًا ما؛ كون المترجمِ ينقلُ حِوايةَ نصٍ إلى وعايةِ رأسٍ لم يتعرض لفكره قبلئذ، ولا مفاهيمِه؛ ولكنه ينكر مع ذلك -ثانيًا- على المترجم ترجمته الشعرَ، أو يَنْقِلَه بغير لغة؛ لما في ذلك من استحالة نقل المعنى الذي أراد الكاتب الأصلي، وصعوبة التقلد بالجماليات والبلاغات الأصلية، مما يُفقد النص قيمته –وإنْ عرض الفكرة– إلا أن يكون الترجمان في استيعاب تلك المصاريف والمعاني كالمؤلف نفسه؛ مما يعني قطعية الاستحالة.

أما ثالث الموضوعات التي تطرق إليها الجاحظ في نصه -المضَمَّن بموسوعته «الحيوان»- عن الترجمة؛ فصعوبة الترجمة الدينية كذلك، وضرورة تجنبها إن لم يكن الترجمان على دراية بمفاهيمها كامل الدراية، وما يحوطها من دِلالات، وإدراكات ميتافيزيقية لا يمكن إلا أن تُدْرَسَ قبل أن تترجم.

ورابعُ المعالجات كانت شروط الترجمان، ملخصًا إياها في ضرورة إلمامه باللغات التي ينقل منها وإليها، على أنه ارتأى صعوبة ذاك الإتقان؛ لأن للإنسان قوة واحدة، فإن هو أنفقها في واحدة؛ أجاد وصرف فيها كل جهوده ومهاراته، ثم إن هو أشرك في إنفاقها أخرى؛ فإنه -لا بد- تتقسم مجهوداتُه، وتقل براعتُه في كل واحدة بقدر ما انتصف من صروفِ قوته في طلبها، ولكن اللغة لدى الجاحظ ليست هي الأداة الوحيدة ليبدع الترجمان أو يحق له ذلك، بل كان عليه لزامًا أن يلمَّ علمًا بما يترجم فيه، وألا يترجم ما لا يتخصص في حقل معرفته، وأن يحيط بحيثيات المؤلف، وأفكاره، ودواخل العلوم التي ينقلها حتى يصيب، وأخيرًا أن يدقق الملاحظة؛ لأن العلوم كلما ضاقت دهاليزها، وأغربت طرائقها، وقل عالموها، تتعسر على الترجمان، أو يبذلَ فيها الأماثل

ثم ينتهي الجاحظ إلى صعوبات النقل والترجمة، التي قد يواجهها الترجمان كما الناسخ، من حيث إغراب المعنى، أو معالجة السقطات، التي لو أراد المؤلف نفسه ليعالجها؛ أنفق في واحدتها الصفحات، ومن هنا كان التبديل في النصوص، وإفساد المعاني، سواء كان ذاك في النقل من نسخة إلى أخرى في اللغة ذاتها، أو بشكل أدعى عند الترجمة إلى لغة مغايرة.

وهكذا خلص أبو عثمان إلى أهمية الترجمة في حفظ التراث المعرفي، بل ونشر تلك المعارف بين ألوان الأمم؛ حفظًا وتطويرًا للحضارات الإنسانية المترامية أطرافها في بُسُطِ اليابس، على نكران فروغها من المصاعب -أيضًا- التي تحولها إلى مهنة ليست بيسيرةِ الامتهان في نظره، وما أذهب إليه كذاك؛ حيث يجعل على المترجمِ عبءً إما يتحمله حريصًا –لئلا يخل بالمعنى الأصيل– وإما ينأى عن ترجمة ما يُحتَمَلُ اختلالُ دقته. 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد محمود القاضي

كاتب ومترجم، حائز ليسانس الألسن جامعة عين شمس، تتمحور كتاباته في مجالات الأدب السردي، وقضايا الفكر النقدي والفلسفي؛ باحث في مجالات اللغة، والدين الإسلامي، ومطالع لحقول التاريخ والآداب الإنجليزية والإيطالية، والسيكولوجيا، ومقارنة الأديان.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق