سياسة وتاريخ

مبعوثو الحرب المقنعين

على شاكلة ما يفعله رئيس الدولة الأقوى في العالم، فعل غسان سلامة المبعوث الدولي إلى ليبيا، فقد أعلن وزير المالية اللبناني الأسبق والذي حل منذ فترة محل مبعوث سابق إلى ليبيا المضطربة استقالته عبر تغريدة على حسابه الشخصي على موقع تويتر؛ معللاً الأمر بالظروف الصحية.

لم تعلن الأمم المتحدة عمن سيخلف غسان سلامة بعد، لكن مما لاشك فيه أن استقالة دبلوماسي بحجم سلامة شكل ضربة قوية لجهود السلام الهش في بلد مزقته الثورة المضاة تارة، والصراعات القبلية تارة أخرى، وسيستغرق إرسال بديل لسلامة وقتًا ومشاورات طويلين، وربما وجب على من سيخلفه أن يعيد بناء أي اتفاق سياسي يخرج ليبيا من مأزقها من نقطة الصفر.

لكن يجب علينا الاعتراف أن مهمة سلامة الذي كلف شكلياً من الأمم المتحدة بالوصول لحل سلمي لأزمة قاربت على العقد لم تكن نزيهة، أو على الأقل محايدة؛ فالصغير يعلم قبل الكبير أن المنظمة الدولية التي قاربت على إطفاء شمعتها الخامسة والسبعين تخضع لأهواء القوى الكبرى التي سبق وأن وصف كوفي أنان من يشغل منصب أمينها العام بالموظف لدي الولايات المتحدة.

فقد كانت المباحثات المكوكية لسلامة ومن قبله برناردينو ليون بين حكومة ذات شرعية معترف بها دولياً، وبين واحد من مجرمي نظام القذافي أسوأ من تلك التي قادتها الأمم المتحدة في سوريا، وذلك بعدما تحاور المبعوثان الأمميان مع حفتر والسراج ومن قبله على زيدان على قدم المساواة مع حفتر، لا لشيء سوى لرغبة الغرب في أن يرهن حفتر مستقبل ليبيا ومواردها لهم، وتلخصت مهمة ليون وسلامة في أمر واحد؛ وهو منح حفتر قبلة الحياة ليستكمل انقضاضه على الثورة الليبية.

وتلك المهمة سبق أن أداها باقتدار وبشكل أقل سوءً في الشام النازف كل من كوفي عنان، ومن بعده الأخضر الإبراهيمي، ثم ستيفان دي ميستورا، وأخيراً جير بيدرسون، وحاول هؤلاء جميعاً إعادة التوازن لبشار بعدما فقده بفعل الثورة التي خلخلت نظامه.

وما يشترطه النظام الدولي في وظيفة مبعوث السلام الهزلية تلك هو فساد الشخص المختار لتلك المهمة لتسهل السيطرة عليه، وإن لم يستجب تكون الفضيحة من نصيبه، والحالتان الليبية والسورية تشهدان بذلك.

فقد اتضح أن ليون كان على تواصل مباشر مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن سلمان، وكان يعمل باحثاً سياسياً في مركز الإمارات للدراسات، ويتقاضى مائة وأربعة وستين ألف دولار شهرياً، وبعلم إدارة باراك أوباما وقتها، وصاغ اتفاق الصخيرات بما يضمن استمرار حفتر في المشهد الليبي ولو على أشلاء كل الشعب الليبي.

أما كوفي عنان فلا ينسى كثيرون كيف تورط ابنه في فضائح اتفاق النفط مقابل الغذاء، وتلقى رشاوى من نظام صدام، وهكذا عين أنان لغسل يد حزار الأسد من دم عشرات الآلاف من شهداء الثورة السورية حفاظاً على أمن إسرائيل.

أما المهمة غير المعلنة لهؤلاء المشبوهين؛ فهي استمرار الحرب حتى يحدد الغرب موعد السلام المناسب لمصالحه، ولا ننسى كيف تعامت الأمم المتحدة عن شحنات السلاح القادمة لحفتر من فرنسا، طالما أن ذلك ضمن المخطط الدولي لنصرة السفاح، أو كيف صمتت الأمم المتحدة عن كيماوي بشار حتى عاد ليبتلع أغلب سوريا، وينكل بأهلها تنكيلاً أسوأ مما كان يجري حتى قبل الثورة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق