مال وأعمال

مبدأ بيتر وتدمير الكفاءات

في عام 1967 ظهر كتاب بروفيسور الإدارة الكندي “لورانس بيتر”، والذي يتمحور حول تدمير الكفاءات والقضاء عليها في ظل المؤسسات الإدارية الحديثة، وهو ما يسمى مبدأ بيتر.

يشرح بيتر كيفية القضاء على المبدعين والأكفاء، ليس عن طريق تحويل الموظفين لمجرد نسخ اعتباطية يتم قولبتها مسبقاً فحسب، بل بتحويل المبدع إلى فاشل بامتياز.

بعد صدور هذا الكتاب ورصده الدقيق للنظم الإدارية المعاصرة، أصبح مبدأ بيتر “peter principle” مؤشرًا هامًا ومعبرًا عن طرق الإدارة المعاصرة الفاشلة، والحوكمة القاتلة لكل إبداع، فملخص مبدأ بيتر هو أن الإدارة تقوم بترقية الموظف المبدع إلى منصب أعلى بغض النظر عن طبيعة الوظيفة الجديدة، وعن مدى كون هذا الموظف مؤهلاً لها من عدمهِ، هذا يعني أن الموظف قد يمارس عملاً جديداً كلياً وغير ملائم لقدراته أو مناسب لاهتماماته، هذا الأمر يجعل هذا الموظف يتحول من موظف مبدع إلى موظف فاشل بامتياز، وبالتالي يؤدي إلى تدمير الكفاءات.

بتطبيق ذلك على الكثير من الموظفين المبدعين، والوزراء الأكفاء، ورواد التغيير والإصلاح في شتى المجالات، وذلك يجعلنا نفهم لماذا يتحول المبدعين إلى فشلة بمجرد تبوأهم المناصب العليا، باختصار تلك المهمات غير مناسبة لهم!

هذا الأمر هو ما ينتج في نهاية المطاف مجموعة من المدراء الفاشلين في المراكز الهامة، وعليه ليس من المفترض أن نتسائل بعدها عن سبب فشل مؤسساتنا وتدهور حالة الابتكار والإبداع التى تصيب الموظفين عندما يرتقون للمراكز العليا، يقول بيتر: “سيأتي الوقت الذي سيكون فيه كل منصب وظيفي مشغولاً بأحد الموظفين الذين لا تتوفر لديهم الكفاءة لتنفيذ الواجبات اللازمة لهذا المنصب”.

هذا يعني في المحصلة إلى تدمير الكفاءات وتآكلها، واعتلاء الفاشلون للمراكز القيادية، مع بقاء المبدعين في أماكن أدنى في السلم الإداري، وفي حالة ارتقى أحد المبدعين والأكفاء إلى درجة اتخاذ القرار، فإنه يوضع في مكان غير مناسب، مما يعني في المحصلة تحويله إلى فاشل، وهكذا تدريجياً يحتل الفاشلون المراكز القيادية وعلى أيديهم يتدهور كل شيء.

ونحن هنا نتحدث بالطبع في ظل المؤسسات الإدارية النزيهة والشفافة في العالم المتقدم، فإذا انتقلنا إلى العالم النامي، والذي تعاني مؤسساته من انعدام الكفاءات، فضلاً عن تعيين الموظفيين وترقيتهم ليس بسبب كفاءتهم وإنما بسبب معارفهم وأتباعم أو حتى أموالهم في بعض البلدان، فإن البلية تكون أعظم وأعم، كل هذا بدوره يحليلنا إلى سؤال مهم ألا وهو مدى جدوى نُظم الحوكمة وفاعلية المؤسسات الحديثة، والتي أُشيع قديماً إنها سبب تقدم الغرب وازدهارهم، وتم استيرادها من قبل الدولة العثمانية في مشارف القرن التاسع عشر في حملة تحديثية للنظم الشرقية هي الأوسع تاريخياً!

إذاً هل فشل العرب باللحاق بالغرب بعد حملة التحديث سواء في مصر أو في الدولة العثمانية لأن النظام كان معطوباً من الأساس، ولم يكن هو السبب الحقيقي لتقدم الغرب؟! أم إننا نقلناه شكلياً ولم نستطع تطبيقه بنزاهة؟ أم أن تطوير النظام ذاته أدى إلى إفساده وتشوييه؟! أم أن الإشكالية الحقيقية لا تقبع خلف النظام بل تكمن في الإنسان هذا الكائن الذي يسيئ استغلال كل شيء وأي شيء!؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق