ثقافة وفنون

مبدأ السببية وميكانيكا الكم

مبدأ السببية يعتبر واحد من أهم المباديء العقلية وأحد أهم المبادئ الأساسية في كل العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والچيولوچيا، وحتي العلوم السياسية والإجتماعية والإقتصادية، ما إن تتخلي عن هذا المبدأ حتي يصبح العلم هراءاً، ما إن تحاول أن تنفيه ستثبته بذكر الأسباب التي جعلتك تنفيه؛ الحس العام كفيل بإثبات أن مبدأ السببية مبدأ أساسي في الوجود، بالرغم من ذلك يوجد العديد من الخرافات المنتشرة حول هذا المبدأ مثل أن ميكانيكا الكم هدمته، وهو صالح فقط للتطبيق علي مستوي العالم الكلاسيكي الكبير ولا يصلح للتطبيق علي مستوي العالم الكمي؛ عالم الجسيمات الذرية وما دونها.

مبدأ السببية: يعني أن كل حدث له سبب، فهو علاقة بين سبب ونتيجة والسبب يحدث قبل أو مع النتيجة فلا يمكن أن تسبق النتيجة سببها، سنري الآن هل العلم نفي هذا المبدأ أم أن كل العلم أساساً – بما في ذلك ميكانيكا الكم – قائم على هذا المبدأ.

أولاً: مبدأ السببية والعلم التجريبي

بدون مبدأ السببية لا وجود للعلم التجريبي، كل التجارب في علم الفيزياء – وغيره من العلوم – قائمة على وجود تأثير سببي بين جهاز القياس والكمية الفيزيائية المقاسة كما قال عالم الفيزياء ماكس بورن في كتابه [1].

بعض الأمثلة لتوضيح الفكرة:

  • عندما ترتفع درجة حرارتك وتذهب لقياسها بواسطة جهاز مقياس الحرارة (الثيرموميتر Thermometer) هنا انت تفترض مسبقاً مبدأ السببية، الكمية الفيزيائية (الحرارة) ستؤثر سببياً علي مادة جهاز القياس (الثيرموميتر) وستتسبب في حدوث تغير في مادة هذا الجهاز بحيث يعطيك رقم يعبر عن درجة حراراتك مثلاً 37 درجة.
  • عندما يكون معك دائرة كهربية وتريد حساب شدة التيار الكهربي الذي يمر بها تستخدم جهاز الأميتر Ammeter عندما تريد أن تقيس فرق جهدها الكهربي تستخدم جهاز الڨولتميتر Voltameter عندما تريد قياس مقاومتها الكهربية تستخدم جهاز الأوميتر Ohmmeter، عندما تريد قياس كل من شدة التيار وفرق الجهد والمقاومة الكهربية مرة واحدة تستخدم جهاز الملتيميتر Multimeter، كل هذا يفترض مسبقاً وجود مبدأ السببية، القوي الكهربية تؤثر سببياً في مادة هذه الأجهزة وتحدث تغيير فيها بحيث تعطيك هذه الأجهزة رقم يعبر عن قيمة الكمية الفيزيائية المراد قياسها مثلاً شدة التيار الكهربي في الدائرة يساوي 10 أمبير أو المقاومة الكهربية للدائرة تساوي 40 أوم.

قس على ذلك كل التجارب في ميكانيكا الكم، علي سبيل المثال في سيرن عند مصادم الهادرونات الكبير يتم تحضير أشعة من الهادرونات في مستويات طاقة عالية ثم يتم صدم هذه الهادرونات مع بعضها البعض فينتج عن الصدم العديد من الجسيمات دون الذرية كالفوتونات والإلكترونات والكواركات وغيرهم، الجسيمات الناتجة من الصدم تدخل علي أجهزة قياس مختلفة مثلاً المسعرات الكهرومغناطيسية Electromagnetic Calorimeters التي تقيس طاقة الفوتونات والإلكترونات و المسعرات الهادرونية Hadronic Calorimeters التي تقيس طاقة الكواركات أو الكواشف شبة الموصلة Semiconductor Detectors التي تقيس الشحنة الكهربية للجسيمات المشحونة كالإلكترونات والبيونات أو كواشف الإشعاع النووي Nuclear Radiation Detectors التي تقيس طاقة الإشعاع الصادر من عمليات التحلل النووي، كل هذا يفترض وجود مبدأ السببية مسبقاً، الكوراكات، الفوتونات، الإلكترونات، الإشعاع النووي (جسيمات ألفا وبيتا) وغيرهم لهم تأثير سببي علي مادة أجهزة القياس، طاقتهم تسبب حدوث تغير في مادة هذه الأجهزة فتعطيك هذه الأجهزة معلومات تمكنك من التعرف علي قيم شحنات، كتل، سرعات، كميات حركة الجسيمات دون الذرية المختلفة، نفيك لمبدأ السببية يماثل قولك أن نتائج كل هذه التجارب خاطئة.

ثانياً: مبدأ السببية والبناء الرياضي لنظريات الفيزياء

النظرية النسبية

حسب النظرية النسبية الكون عبارة عن الزمن والمكان مندمجان مع بعضهما فيما يعرف بالزمكان و المادة (المجرات وغيره) موجودة في هذا الزمكان، الأحداث الكونية حسب النظرية النسبية تمثل علي هذا الزمكان و إما أن تكون شبيهة بالزمن Timelike (حدث يؤثر في حدث آخر لكن بسرعة أقل من سرعة الضوء) أو شبيهة بالضوء Lightlike (حدث يؤثر في حدث آخر بسرعة مساوية لسرعة الضوء) أو شبيهة بالفضاء Spacelike (حدث يؤثر في حدث بسرعة أكبر من سرعة الضوء) طالما أن الأحداث تؤثر في بعضها بسرعة أقل من أو مساوية لسرعة الضوء السببية الفيزيائية ستظل محفوظة (السبب يحدث قبل أو مع النتيجة)، النسبية تقول لا يوجد ما هو أسرع من الضوء لذلك فهي تقول إن كل الأحداث ستكون إما Timelike أو Lightlike، لو حدث خرق لسرعة الضوء وحدث قام بالتأثير في حدث آخر بسرعة أكبر من سرعة الضوء هذا يعتبر إنتهاك لمبدأ السببية (فروض النظرية النسبية) لأن هذا سيكون معناه أن (النتيجة تحصل قبل السبب).

ميكانيكا الكم

ميكانيكا الكم مرت بمراحل تطوير مختلفة أثناء صياغتها رياضياً:

  • ميكانيكا الكم غيرالنسبية Non–Relativistic Quantum Mechanics: من الإسم هي ميكانيكا كم لا تحترم قواعد النظرية النسبية عندما كان العلماء يحلون معادلات هذه الصياغة لميكانيكا الكم كمثال (معادلة شرودينغر) كانت حلول المعادلات تسمح بحدوث إتصالات بين الأحداث بسرعة أكبر من سرعة الضوء يعني كانت تخرق السببية، لأن السببية يجب أن تظل محفوظة حتي تحصل علي نتائج تجريبية لها معني من الرياضيات التي تبني بها النظريات، بدأ العلماء في تطوير هذه الصياغة فظهرت.
  • ميكانيكا الكم النسبية Relativistic Quantum Mechanics: من الإسم يبدو أنها نظرية تحترم قواعد النسبية لكن معادلات هذه الصياغة (كمثال معادلة ديراك) عانت من عدم تناسق فهي مفترض أنها مطورة للحفاظ علي قواعد النسبية، لكن أيضاً العلماء عندما كانوا يحلون معادلات هذه الصياغة كانت حلول المعادلات تسمح بحدوث إتصالات بين الأحداث بسرعة أكبر من سرعة الضوء فحاولوا تطويرها أكثر فظهرت.
  • نظرية الحقل الكمي (أحدث فهم للطبيعة) Quantum Field Theory: هذه النظرية تقول أن لبنات البناء الأساسية لمادة الكون ليست الجسيمات دون الذرية Subatomic Particles بل الحقول الكمية Quantum Fields، الكون حسب هذه النظرية مكون من حقول منتشرة في الزمكان حقل الإلكترون، حقل الكوارك، حقل الفوتون وهكذا والجسيمات ما هي إلا منتجات من إثارة هذه الحقول من مستوي طاقة أرضي لمستوي طاقة أعلي، يعني حقل الإلكترون تكسبه طاقة يعطي لك جسيم الإلكترون، حقل الفوتون تكسبه طاقة يعطي لك جسيم الفوتون وهكذا مع بقية الجسيمات الأخري، الحقول الكمية حفظت السببية لا يوجد في نظرية الحقل الكمي إتصالات أسرع من الضوء بين الأحداث السبب يحدث دوماً قبل النتيجة لذلك نظرية الحقل الكمي نظرية سببية ومعادلاتها هي المستخدمة الآن للتنبؤ بنتائج التجارب، كيف ميكانيكا الكم هدمت السببية إذاً؟ والسببية تعطي كمسلمة من مسلمات أحدث نظرية كمية؟ [2].

ثالثاً: أمثلة يساء فهمها علي أنها ظواهر تحدث من دون سبب أو بسرعة أكبر من سرعة الضوء

تخيل أن يذهب طالب لعالم فيزياء ويسأله هذه الأسئلة:

  • لم الفوتون لا يملك كتلة سكون والإلكترون يملك كتلة سكون؟ فيجيبه: لا سبب
  • لم البروتونات داخل أنوية الذرات لا تمزق النواة بالرغم من أن البروتونات متماثلة الشحنة وتتنافر كهربياً؟ فيجيبه: لا سبب
  • لم الإلكترون لا يسقط داخل النواة أثناء دورانه حولها؟ فيجيبه: لا سبب
    هل هذا يمكن تسميته علم؟ لا طبعاً، مهمة العلم البحث عن أسباب الظواهر الطبيعة لذلك ستكون إجابات عالم الفيزياء بالترتيب:
  • لأن الفوتون لا يتفاعل مع الجسيم الذي يعطي الجسيمات دون الذرية كتلتها (بوزن هيغز) في حين الإلكترون يتفاعل معه.
  • لأن القوي النووية القوية التى تتولد داخل أنوية الذرات أقوي من قوي التنافر الكهربية بين البروتونات لذلك تظل البروتونات محبوسة داخل النواة.
  • لأن الإلكترون لا يدور أصلاً حول النواه في مدارات محددة كما إعتقد بور بل هو موجود علي شكل سحابة إحتمالية حول النواة، فأي ظاهرة كمية قطعاً لها سبب.

من الظواهر التي يساء فهمها أنها تحدث من دون سبب:

  • ظاهرة النفق الكمي Quantum Tunneling: أنت لا تستطيع أن تخترق حائط بجسمك لأن الحائط طاقته أعلي من طاقة جسمك لكن الإلكترون يستطيع أن يعبر حاجز جهد أعلي منه في الطاقة؛ السبب في ذلك أن الإلكترون ليس مادة فقط بل له طبيعة موجية أيضاً أو الأصح هو حقل منتشر في كل مكان من الزمكان (حسب نظرية الحقل الكمي)، لذلك موجة الإلكترون أو حقله يمكن أن يعبر حاجز الجهد الأعلي منه في الطاقة [3].
  •  ظاهرة التحلل الإشعاعي Radioactivity: تحلل نوي الذرات؛ السبب فيها القوي النووية الضعيفة هذه القوي تسبب عدم إستقرار في أنوية الذرات فتبدأ هذه الذرات في التحلل لتصل لحالة مستقرة [4].

ظاهرة يساء فهمها علي أنها تخرق سرعة الضوء:

  • ظاهرة التشابك الكمي Quantum Entanglement: إفرض أنك أحضرت إلكترونين في حالة تشابك وتريد قياس اللف المغزلي لهما يوجد إحتمالين قبل الرصد إما الإلكترون الأول سيكون في حالة لف مغزلي لأعلي والثاني سيكون في حالة لف مغزلي لأسفل أو العكس الأول لأسفل والثاني لأعلي، الإلكترون الأول مع أليس والإلكترون الثاني مع بوب نفرض الآن أن أليس و بوب تحركا بعيداً عن بعضهما مسافة كبيرة، بعد فصل الإلكترونين عن بعضهما بمسافة كبيرة (مسافة تحتاج سرعة أكبر من سرعة الضوء لإجتيازها)، إفرض أن أليس قامت بعملية قياس علي اللف المغزلي لإلكترونها فوجدت أنه بغزل لأعلي تلقائياً أليس ستعرف أن اللف المغزلي لإلكترون بوب لأسفل، هذه الظاهرة تسمي التشابك الكمي فهل معني ذلك أن إلكترون أليس أرسل رسالة بسرعة أكبر من سرعة الضوء لإلكترون بوب يقول له فيها أنا غزل لأعلي كن أنت غزل لأسفل؟ يعني هل أثر إلكترون أليس سببياً علي إلكترون بوب بسرعة أكبر من سرعة الضوء؟ لا طبعاً كما ذكر بالأعلي نظرية الحقل الكمي تحترم قواعد النسبية لا يوجد إتصالات أسرع من الضوء، ما حدث في التشابك الكمي يمكن تفسيره بهذا المثال؛ معك ظرفين وضعت بداخل أحدهما شريط لونه أحمر وفي الآخر شريط لونه أصفر أعطيت واحد لأليس وواحد لبوب، تحركا بعيداً عن بعضهما بمسافة كبيرة، أليس فتحت الظرف فوجدت أن بداخله الشريط الأحمر تلقائياً ستعرف من خلال إستخدام المنطق ومعرفتها بحالة الشريط الذي معها أن بوب معه الشريط الأصفر هل معني ذلك أن الشريط الأحمر أثر علي الشريط الأصفر وجعل لونه أصفر؟ لا طبعاً، ما حدث بين الإلكترونين نفس الشيء، الإلكترونات عندما تم تحضيرها في الماضي قبل الفصل، حضرت بطريقة تحافظ علي قوانين الإنحفاظ في الكون، فبسبب أن الزخم الزاوي للكون نرمز له ب J يجب أن يظل محفوظاً أي J = 0 عندما ترصد إلكترون وتجده بغزل + 1/2 لأعلي الآخر المتشابك معه كمياً يجب أن يكون – 1/2 لأسفل تلقائياً ليظل زخم الكون محفوظاً لا يوجد إلكترون يؤثر علي حالة إلكترون آخر بعيد عنه [5].

أخيراً: مبدأ السببية في حالة التراكب الكمي

مبدأ التراكب الكمي Quantum Superposition: ينص هذا المبدأ علي أنه قبل رصد الجسيمات دون الذرية، الحالة الفيزيائية لهذه الجسيمات لا تكون محددة بل تكون حالة مركبة من كل الحالات الممكنة التي يمكن أن يوجد عليها الجسيم فمثلاً إلكترون نريد رصد موقعه قبل رصده حالته ستوصف هكذا موجود في المنطقة X بنسبة 30%، في المنطقة Y بنسبة 50%، في المنطقة Z بنسبة 20%، موقعه غير محدد ما إن ترصد تجده في المكان X مثلاً بنسبة 100% وبقية الإحتمالات تختفي هذه الظاهرة تسمي “إنهيار الدالة الموجية Wavefunction Collapse” يعني موجة الإلكترون إنهارت لإحتمال واحد فقط من ضمن كل الإحتمالات الأخري الممكنة، حديثاً ظهر عدد من الفيزيائيين يجادلون أن مبدأ التراكب الكمي ليس فقط ممكن

للتطبيق علي الكميات الفيزيائية المقاسة كالموقع أو الطاقة بل أيضاً علي العلاقات السببية بين الأحداث فمثلاً لو عندك حدثين A و B عندك إحتمالين A يسبب B أو B يسبب A لكن يمكن أن تضع العلاقة السببية بينهما في حالة تراكب كمي أيضاً يعني A يسبب B بنسبة 50% و B يسبب A بنسبة 50% فلا تستطيع أن تعرف بالضبط في هذه الحالة أيهما السبب وأيهما النتيجة [6]، إلا أن نفس هؤلاء العلماء بدءوا في تطوير هذه النماذج بحيث تحافظ علي السببية، ففي حالة وضع العلاقة بين الأحداث في حالة تراكب كمي وكنت عاجزاً علي معرفة علاقة السبب والنتيجة بينهم يمكن أن تفسر ما يحدث بسبب مشترك، علي سبيل المثال حدثين A و B العلاقة بينهما في حالة تراكب كمي يمكن أن تفهم هذه العلاقة علي أنها علاقة ترابط فقط لم تعد علاقة تسبيب (لا أحد منهما يسبب الآخر) وما يسبب الحدثين معاً هو سبب مشترك يسمي الحدث C، لتقريب الصورة، معدلات إصابة الناس بحروق الشمس في تزايد هذا حدث A، معدلات تناول الناس للمثلجات في تزايد هذا حدث B، إرتفاع درجة الحرارة هذا حدث C يوجد ترابط بين الحدثين A و B معدلات حروق الشمس تزداد مع زيادة أكل المثلجات لكن هل هذا معناه أن حروق الشمس تسببت في زيادة أكل الناس للمثلجات؟ أو أن أكل الناس للمثلجات سبب زيادة حروق الشمس؟ لا طبعاً العلاقة علاقة ترابط وليست علاقة تسبيب، والسبب في هذا الترابط بين الحدثين سيكون الحدث C أي إرتفاع درجة الحرارة سبب مشترك سبب الحدثين [7]،[8].

[1] Natural Philosophy of Cause and Chance By Max Born Clarendon Press
[2] https://www.damtp.cam.ac.uk/user/tong/qft.html – Canonical Quantization – Causality page 37
[3] http://abyss.uoregon.edu/~js/ast123/lectures/lec06.html
[4] https://physics.info/qfd/
[5] https://journals.aps.org/pra/abstract/10.1103/PhysRevA.101.022117
[6] https://www.nature.com/articles/ncomms2076
[7] https://iopscience.iop.org/article/10.1088/1367-2630/18/6/063032
[8] https://journals.aps.org/prx/abstract/10.1103/PhysRevX.7.031021

اقرأ أيضًا :

فيروس كورونا «خدعة».. من أين جاءت نظرية المؤامرة تلك؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق