سياسة وتاريخمقالات

مبدأ التناسب في العمليات العسكرية حسب القانون الدولي

يعرف مبدأ التناسب بأنه احدى المبادئ الأساسية في قانون أصول الحرب والذي يبين بأن شرعية أي عملية عسكرية من خلال بيان التوازن بين الهدف والوسيلة والطريقة المستخدمة لاستخدام السلاح وكذلك عواقب هذا العمل ويعني هذا المبدأ هو تطبيق الالتزام بتقدير السياق قبل تحديد شرعية عمل ما أو عدم شرعيته وهذا التقييم هو مسؤولية القائد العسكري وفي حالة الخلاف أو الشك تستطيع المحاكم تقييم الوقائع وبالتالي تحديد شرعيته.

ويعد التناسب ذو أهمية كبيرة في تقييم حجة الضرورة العسكرية لاسيما أن مبدأ الضرورة العسكريه أيضا مبدأ مهم من مبادئ أصول الحرب وله استقلاليته وكذلك يمتلك تقييم شرعية استخدام القوة المسلحة. وهو ينطبق على وجه الخصوص في حالات الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي عن النفس وفي حالات لجوء دولة ما إلى القوة المسلحة لاستعادة النظام والأمن العام في أوقات الاضطرابات الداخلية وفي حالات النزاعات المسلحة او الحروب سواء الدولية وغير الدولية.

وقد نص القانون الجنائي الدولي أيضًا على أن العقوبات يجب أن تتناسب مع خطورة الجريمة وينص قانون الحرب أو القانون الدولي الإنساني على أنه يجب على أطراف النزاع التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية لاسيما يعتبر مبدأ التمييز ايضا من المبادئ المستقله لقانون الحرب وله صله وثيقة مع مبدأ الضروره العسكرية والتناسب خاصة عند استخدام أساليب معينة للحرب. ومع ذلك فإن الهجوم على هدف شرعي قد يسبب ضررًا للمدنيين والأعيان المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني او مايسمى بقانون الحرب. ويُكمِّل مبدأ التناسب المبادئ الأخرى للقانون الدولي الإنساني مثل مبدأ التمييز لتقييم شرعية الأنشطة العسكرية.

ويحظر قانون الحرب في البروتوكول الأول المادتان (51، 57).الهجمات التي قد تسبب “خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضرارًا بالأعيان المدنية، أو أن تُحدث خلطًا من هذه الخسائر والأضرار، يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة ولذلك، فإن مبدأ التناسب يتضمن مختلف العناصر في قانون اللجوء إلى القوة وقانون الحرب. وفي الحالة الثانية، يتجاوز شرط التناسب بين الهجوم العسكري والرد عليه. ويقضي بالموازنة بين المزايا العسكرية المطلوبة والأضرار والخسائر المدنية المتصلة به. وينطبق شرط التناسب أيضًا على الأعمال الانتقامية بعد هجوم. ومبدأ التناسب معترف به الآن كقاعدة من قواعد القانون العرفي التي تنطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية وهو مانصت عليه القاعدة 14 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقانون العرفي الصادرة في تاريخ  14 تموز _  يوليو 2005.

يعتبر مبدأ التناسب واحدًا من المبادئ الأساسية التي تمكّن وتعزّز جدلًا ملموسًا بشأن القيود على العمليات العسكرية وبشأن المجال الذي يجب أن يترك للعمليات الإنسانية ضمن إطار حالات النزاع. وتتيح مثل هذه الفكرة إمكانية تصنيف أشكال معينة من المعاناة على أنها غير ضرورية. ولا تعني أن إيقاع أنواع أخرى من الأذى يُعدّ أمرًا مقبولًا، بل بالأحرى، تعكس حقيقة أن القانون الإنساني يحظر المعاناة التي لا تنجم عن الصلة المباشرة بفائدة عسكرية ملموسة ولا تتناسب معها.

وتعتبر الطبيعة التناسبية لعملية انتقام ما لها صلة بهجوم سابق هي العنصر الذي يجعل من التمييز بين انتقام مقبول بموجب قانون النزاع المسلح وعملية انتقام محظورة دائمًا. ويحدّد القانون الإنساني بوضوح مسؤولية القادة العسكريين في ما يتعلّق باحترام هذا المبدأ.

ومن أهم السوابق القضائيه الدولية للعمليات العسكرية المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا سابقًا. ويعني مبدأ التناسب، حسب رأي المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا سابقًا، أن الأضرار العرضية غير المقصودة التي تصيب السكان المدنيين أثناء هجوم عسكري يجب ألا تكون مفرطة بالمقارنة بالميزة العسكرية المباشرة المترتبة عليه.

يتضمَّن القانون الدولي مبدأ عامًّا يقضي بأنه يجب بذل العناية المعقولة عند مهاجمة أهداف عسكرية حتى لا يصاب مدنيون بلا داع بسبب الإهمال. والهجمات، حتى إذا كانت مُوجَّهة إلى أهداف عسكرية مشروعة، تكون غير قانونية إذا كان تنفيذها باستخدام وسائل أو أساليب حرب عشوائية، أو بطريقة تُسبِّب أضرارًا عشوائية بلا تمييز للمدنيين (قضية كوبريسكيتش، الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا سابقًا، 14 كانون الثاني/يناير 2000، الفقرة 524). وفي قضية كوبريسكيتش، رأت الدائرة الابتدائية للمحكمة أنه مما لا جدال فيه أنه على أقل تقدير كان من الممكن أن تكون بين المقاتلين أعداد كبيرة من الإصابات المدنية. وأضافت قولها “النقطة التي يجب التأكيد عليها هي الطابع المُقدَّس لواجب حماية المدنيين الذي يستتبع، بين أشياء أخرى، الحظر المطلق للأعمال الانتقامية ضد السكان المدنيين”. وحتى إذا أمكن إثبات أنه لم يكن كل السكان مدنيين، إنما كانت بينهم بعض العناصر المسلحة، فإنه لا يوجد ما يجيز شن هجمات واسعة النطاق عشوائية بلا تمييز على المدنيين. وفي الواقع، فإنه حتى في حالة وقوع نزاع مسلح واسع النطاق، فإن معايير أساسية معينة تحظر على نحو لا لبس فيه ولا غموض مثل هذه السلوكيات، ومنها القواعد المتصلة بالتناسب (الفقرة 513). وأعلن القضاة أنه “إذا أدَّت هجمات على أهداف عسكرية إلى أضرار بالمدنيين، فإن القانون الدولي يتضمَّن مبدأ عامًّا يقضي بضرورة اتخاذ قدر معقول من العناية عند مهاجمة أهداف عسكرية حتى لا يتضرر المدنيون بدون داع”. (الفقرة 524). واستذكروا أن هذه المبادئ تم توضيحها إلى حد ما في المادتين 57 و58 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.

يبدو أن مثل هذه الأحكام أصبحت الآن جزءًا من القانون الدولي العرفي، لا فحسب لأنها تُحدِّد وتُبيِّن معايير عامة موجودة بالفعل ولكن أيضًا لأنها فيما يبدو ليست محلًا للطعن من قِبَل أي دولة بما في ذلك الدول التي لم تصدق على البروتوكول الإضافي، حتى وإن كان هذان البندان يتركان هامشًا واسعًا للتقدير والاستنساب للمتحاربين باستخدام تعبيرات قد يُنظر إليها باعتبارها تترك كلمة الفصل النهائية للطرف المهاجم. مهما يكن من أمر، فإن هذا مجال يجب فيه استخدام “الاعتبارات الأساسية للإنسانية” إلى أقصى حد عند تفسير وتطبيق قواعد دولية فضفاضة على أساس أنها تُبيِّن مبدأ عامًّا من مبادئ القانون الدولي (الفقرة 524).

زر الذهاب إلى الأعلى