سياسة وتاريخ

ما وراء جائحة كورونا

كما يقال؛ لتعرف من المسبب لا بد من معرفة المستفيد، وفي تعاملنا مع هذه جائحة كورونا لنحاول العمل بطريقة الاستبعاد (منهج كارل بوبر)، وبما أننا ما نزال نعيش في عالم القطب الواحد رغم خروج بعض الأصوات التي تقول أن العالم عاد إلى التعددية القطبية، فلو بدأنا بالولايات المتحدة الأمريكية على أنها المستفيد، لسرعان ما أعادتنا الأرقام الخيالة لحجم الخسائر في البورصة الأمريكية لنقطة البداية.

فكورونا أفقد البورصة ما تصل قيمته إلى 12 تريليون دولار، أي ما يعادل ما كسبته سياسة ترامب الاقتصادية طيلة ولايته، وكل جهوده المكوكية لبيع السلاح، وجلب الإتاوة، وابتزاز الضعفاء، ومحاولة بسط النفوذ على مصادر الطاقة في أماكن النزاع، كما أن نظرته الاقتصادية في إدارة الأزمات العالمية تبعد التفكير بمثل هكذا حلول كارثية اقتصاديًا قد يلجا إليها.

ولو نقلنا أصابع الاتهام للصين، وخاصة أن الجائحة انطلقت من عندها، وأن مدينة ووهان تحوي على مختبر متطور للفيروسات، وأنها استطاعت أن تقضي على الخطر قبل تفشيه على الرغم من الكثافة السكانية العالية، على الرغم من ما أنجزته من خلال استغلال المعلومات الضخمة المتوفرة للسلطات من خلال 300 مليون كاميرا، لكن بالمقابل ما خسرته الصين لا يعادل ما ستحققه مهما كان؛ فالصين رغم شيوعية المنهج الصيني السياسي إلا أن الليبرالية الاقتصادية هي عماد نهضة الصين، وأي مساس بحرية انتقال الأشخاص أو البضائع يعتبر ضربة للاقتصاد الصيني، ولو توقفنا هنيهة أمام تبادل التهم بين أمريكا والصين، وحتى تبادل التهم بين روسيا وأوروبا ونشر الإشاعات، إلا أن الصين لا يمكن أن تفكر بانهيار القطب الأمريكي ولا حتى الأوربي؛ لأنهم يشكلون قوة شرائية مضطرة للتعامل معها بعين البراغماتية، ناهيك عن حجم الدين الصيني للولايات المتحدة التي لن تضحي الصين بفقدان قيمة سنداتها بين يوم وليلة.

أما عن أوروبا التي أصبحت أخطر بقعة جغرافية للتفشي، فهي على الأرجح ستكون أقرب للضحية منها للمجرم؛ فمن بقي على خارطة من يستطيع أن يكون فاعلاً بعد هذه القوى إلا روسيا، بالرغم من أن الأرقام عن الإصابات والضحايا تعتبر ضئيلة، على الرغم من التقارب الجغرافي من المصدر ومن أماكن الانتشار، لكن من المتعارف عليه بدولة كروسيا أقرب إلى المافيوية وخاصة في التعامل مع الأرقام والشفافية، فهي دولة مخابرات تمتهن الخداع والسرية، حتى عندما شعرت بالتهديد من خطر المرض، لم تعلن حالة الطوارئ كأي دولة أخرى، بل خيرت مواطنيها بين الجلوس في المنزل لنصف شهر أو السجن لخمسة سنوات.

إذاً إن لم نكن نستطيع أن نحزم الرأي حول المستفيد، وخاصة أن الأطراف جميعها في خسارة، وخاصة على المستوى الاقتصادي، فنحن اليوم نتعامل مع العامل الصحي، لكن بعد شهر أو شهرين لن تبقى القضية حبيسة الملف الطبي؛ فالاقتصاد قد دخل رسميًا في الكساد، ولن ترى عدوًا لاقتصاد أكبر من حالة عدم اليقين، فافضل السيناريوهات تتحدث عن شهر 8 كنهاية للمرض، وأسوأها يرجع التعافي للثمانية عشر شهرًا القادمة، أي أن الكساد العالمي لن يكون أفضل حالًا من الكساد العظيم في عام 1929.

لكن ماذا لو كانت الأحداث بالفعل ليست ذات بعد سياسي؟ وأن المؤامرة لا وجود لها؟ وأن الموضوع لا يتعدى فيروسًا انتقل من الحيوان للإنسان؟ وكانت الظروف والصدفة جعلت منه فيروسًا يتمتع بسرعة الانتشار، وبإمكانية بقائه حيًا على الأسطح لفترة نسبياً تعتبر طويلة بالنسبة للفيروسات الأخرى؛ مما يجعل العدوى فيه أسهل وأسرع، وخاصة مع قليل من الإهمال وقليل من الاستهتار، لكن بالمقابل كيف نستطيع تفسير تبادل الاتهامات بين أمريكا من جهة وروسيا ونشرها معلومات مضللة عن المرض من جهة أخرى؟ وتبجح أمريكا بتسمية المرض بالفيروس الصيني؟ واتهام الصين للأمريكان بالوقوف خلف الفيروس؟ والتسابق على إنتاج اللقاح وسرعة الإعلان الروسي عن تطوير لقاح لسحب البساط عن الاحتكار الأمريكي؟

لكن إذا عدنا قليلاً للوراء، واسترجعنا الأصوات الخافتة لبعض مراكز الدراسات وبعض الشخصيات الاقتصادية الكبيرة التي كانت تتحدث عن الأزمة الاقتصادية القادمة، والتي سوف تكون عاصفة بالاقتصاد العالمي لكونها اقتصادية وليست مجرد مالية كما هو الحال بالأزمة السابقة، وتلك الأصوات كانت تنادي بتلك التحذيرات انطلاقًا مما تعانيه الرأسمالية من أخطاء في بنيتها الهيكلية، وما تحمله من أزمات دورية مرتبطة بدورتها الحياتية الطبيعية، ولو ربطنا كل تلك الأصوات مع رغبة بعض الدول في الانفلات من قبضة الهيكلية الخطيرة للرأسمالية؛ من خلال البدء بتبني الأفكار المتعلقة بالعملات الإلكترونية كخطوة مبدأية للانفكاك من الهيمنة الأمريكية على الاحتياطيات، وعلى عملة التداول المتمثلة بكون الدولار هو العملة العالمية، وكون الولايات المتحدة الأب الروحي للتخطيط الإستراتيجي، فلا بد من التفكير بالهجوم كخير وسيلة للدفاع، فبعد الكساد العظيم الناتج عن الليبرالية والنيو ليبرالية، لن يبقى العالم متفرجًا على منهج يحوي في طياته على أزمات مدمرة.

لكن ما حققته كورونا باختصار هو أنها سرعت من قدوم الكساد، وأعطته الشرعية والمنطقية في الوقوع مع تحلل الليبرالية من كونها السبب، أي أن كورونا هو حصان طروادة لاستمرار النظام العالمي على وضعه الحالي، وأن خلف كورونا أزمة ثقة بالنظام العالمي، فمن المنطقي أن يجتمع الأطراف لرسم نظام عالمي كبرتن وودز، لكن بواقع لا غالب ولا مغلوب، نظام ينصف الليبرالية ولا يعاقبها بكونها ضحية وليست سببًا في حدوث الكارثة، فكورونا هو طوق النجاة لكل من النظام الاقتصادي العالمي وحتى للحملة الانتخابية للرئيس ترامب، فأن يكون بطلًا في التعامل مع الأزمة (الصحية)، أفضل من أن يكون ضحية لعدم قدرته لمعالجة نظام اقتصادي يتعالج بوصفات كنز الإسعافية كل دورة اقتصادية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Bahaa Hariri

اجازة في العلوم السياسية دبلوم في تخطيط الدولة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية دبلوم في الادارة المحلية ماجستير في العلاقات الاقتصادية والدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق