مدونات

ما هي المعاناة؟ كيف تنشأ ومن أين تأتي؟

كل الإجابات كامنة في دواخلنا. من خلال تحويل نظرتنا إلى عالمنا الداخلي، ومن خلال انتباهنا ببساطة لما يمثل وما يعبّر عن ذاته في أنفسنا، يمكننا أن نفهم ماهية المعاناة وكيف تنشأ.

إذا نظرت عن كثب، سوف تكتشف أن المعاناة عقلية فقط. إنها غير موجودة في أي مكان آخر غير العقل، ولأنه هو من قام بإنشائه، يمكنه أيضًا تفكيكها.

هذه المقالة هي دعوة لاستكشاف عمل عقلنا حتى تتمكن من رؤية الوهم الواضح في معاناتنا. بهذا الوعي والرؤية الواضحة للأشياء، نصبح أحرارا تمامًا في الاستمرار في الحفاظ على معاناتنا أو في التخلص منها. يمكننا، إذن، وضع حد للمعاناة بشكل فوري.

كل ما يمنعنا من القيام بذلك هو الخوف مما سنكون عليه بدون هذه المعاناة. على الرغم من صعوبة الأمر بالنسبة للشخص الذي لم يلاحظ بعد باهتمام سير عمل العقل، فإن الشيء الوحيد الذي يمنعنا من الخروج من المعاناة هو رغبتنا في عدم تركها. إذا كنا على استعداد للنظر بإخلاص داخل أنفسنا، فسنرى الحقيقة، وبمجرد رؤية هذه الحقيقة لم يعد من الممكن إنكارها. هكذا نتمكن من أن نرى أننا مسؤولون تمامًا عن معاناتنا.

هل نحن مستعدون لتحرير أنفسنا بشكل نهائي من معاناتنا؟

إذا ذهبت للاستماع إلى رجل تفترض فيه حيازة الحكمة، فقد ارتكبت خطأ لأن الحكمة الحقيقية لا تنتقل عن طريق الكتب أو الخطب؛ الحكمة الحقيقية هي في داخل وعيك، فالحب الحقيقي يوجد في أعماق قلبك.

إذا كنت قد جئت، مدفوعا بالافتراءات والمنافقين ، لتستمع إلى هذا الرجل لأجل ستخدام ما يقوله كحجة ضده، فقد ارتكبت خطأً. بالفعل، هذا الرجل ليس هنا ليطلب منك أي شيء، أو ليستغلك لأنه لا يحتاج إليك.

تستمع إلى رجل لا يعرف القوانين التي تحكم الكون ولا قوانين التاريخ ويتجاهل العلاقات التي تحكم الشعوب. هذا الرجل يتحدث إلى ضميرك، بعيدًا عن المدن وطموحاتها غير الصحية. هناك، في المدن حيث يقف الموت بالمرصاد لكل التطلعات، حيث تتغلب الكراهية على الحب، الانتقام على الغفران، هناك، في مدن الأغنياء والفقراء، في الفضاءات المزدحمة بالبشر، خيمت وتراكمت حجب على المعاناة والحزن.

أنت تعاني عندما ينهش الألم جسمك. أنت تعاني عندما يستولي عليها الجوع. لكنك لا تعاني فقط بسبب الجوع أو الألم الفوري المنبعث من جسمك، بل تعاني أيضًا من عواقب أمراض جسمك.

يجب التمييز بين نوعين من المعاناة: أحدهما ينتج عنك بسبب المرض (يمكن أن يتراجع بفضل تقدم العلوم لأن الجوع قد ينخفض بفضل انتصار العدالة)؛ في حين الآخر لا يعتمد على مرض جسمك ولكنه يتبعه: إذا كنت معاقًا، إذا لم تتمكن من الرؤية أو السماع، فأنت تعاني؛ ولكن حتى لو كانت هذه المعاناة تأتي من جسمك أو من أمراضه، فهي كامنة في عقلك.

هناك معاناة أخرى لا يمكن أن تزول لا مع تقدم العلم ولا مع تقدم العدالة. هذه المعاناة، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعقلك، تتراجع أمام الإيمان، أمام الفرح بالحياة، أمام الحب. يجب أن تعلم أن هذه المعاناة تستند دائمًا إلى العنف المتداخل في وعيك.

أنت تعاني خوفا من فقدان ما لديك أو بسبب ما فقدته بالفعل أو لما كنت يائسا من تحقيقه. أنت تعاني من كونك خاوي الوفاض أو من الخوف بشكل عام … هؤلاء هم أعداء الإنسان العظماء: الخوف من المرض، الخوف من الفقر، الخوف من الموت، الخوف من الشعور بالوحدة.

كل هذه المعاناة غريبة على عقلك. كلها تكشف عن عنف داخلي، عنف موجود في ذهنك. لاحظ كيف ينبع هذا العنف دائمًا من الرغبة. كلما كان الإنسان أكثر عنفا، كلما كانت رغباته أكثر وقاحة وفجاجة.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد رباص

رجل تربية وتعليم، يؤمن بمقولة "التعلم مدى الحياة". ناضل ككاتب صحافي متطوع في جرائد وطنية ورقية ورقمية تتبنى أو تتعاطف مع قيم اليسار الديمقراطي الاشتراكي ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق