ثقافة و فنون

ما معنى أن تكون مثقفًا؟

يتحدث الطالب الباحث زكريا السايسي عن موضوع هام يجهله الكثيرون، على الرغم من الآراء التي نتبادلها فيما بيننا يوميًا؛ إنه موضوع المثقف والمجتمع، وذلك الصراع الخفي والتوجس ما بين الطرفين.

إن كلمة الثقافة و كلمة المثقف تبدو إلى حد كبير غامضة نوعًا ما، ولم نستطع فهمها إلى الآن الفهم الصحيح، على الرغم من كل المحاولات التي أنجزت في هذا الصدد، فهذه المصطلحات التي ارتبطت كثيرًا بطبقة ذات صبغة قيادية في المجتمع، وصراعاتها مع أطراف عديدة يصعب تحديدها بشكل أو بآخر، وخصوصًا في عصرنا هذا؛ فمفهوم الثقافة يدل على سلوك إنساني و ما ينتجه الفرد في المجتمع البشري الذي يعيش فيه، ويتشبع بأفكاره وثقافته (طريقة الأكل و الملبس ثم العزف والرقص و حتى الغناء…)، كما يدل أيضًا على كثرة المعارف التي يتحصلها الإنسان في حياته. لكن من هو المثقف؟ و من أين ينبع؟

يقول المفكر العربي الشهير إدوارد سعيد حول الموضوع مقولته الشهيرة: “المثقف هو الذي يزعج السلطة”. و سننطلق من هذا القول لكي نبين طبيعة المثقف؛ فالمثقف في المفهوم العام هو ذلك الشخص الذي يعلم كل العلم بما يدور حوله من صراعات سياسية و أيديولوجية وغيرها، و تكون له نظرة تحليلية استباقية للواقع بمختلف أنواعه؛ الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي و الثقافي، كما يعتمد كل الاعتماد على النقد من أجل الإيمان بالمواقف والأفكار، فلا تكون له الاعتباطية في التشبع بالأفكار، والأخد بها من دون علم، على عكس عامة الناس.

فإذا كان الشرطي يحمي الأمن العام، ويوجه وينظم السير العام طبقًا للقانون الذي تعلمه، فلابد من الأستاذ الذي سيربي الأبناء والأجيال القادمة، كما الطبيب ليعالج الناس و من السياسي ليُسيّر ويسيّس الأمة وأمورها الداخلية والخارجية، وكل هذه الأدوار قد يلعبها المثقف علنًا أو في الخفاء، إذا امتلك الشجاعة لفعل ذلك بطرقه الخاصة، فهو ذلك الشخص الموجِّه للخطاب الذي يصلح لكل فرد في هذه الأمة ويعمل على تعرية الحقائق المغلفة و تبسيط الأمور المركبة التي تدور في فلكها.

إذن هذا هو المثقف الذي نتحدث عنه؛ شخص متكامل وله أهداف محددة يقوم بها في هذا المجتمع الذي يعيش فيه، و هذا هو دوره، كما يرى الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي يشرح هذا الموضوع، ويقسم المثقف إلى نوعين:

مثقف تقليدي و مثقف عصري؛ فالتقليدي هو ذلك المثقف الذي لا يهتم بقضايا عصره و هموم محيطه فهو يعيش في مثاليته الخاصة بين أفكاره يخلق نوع من الحياة الوردية، بالرغم من امتلاكه للثقافة والعلوم. على عكس المثقف العصري الذي يساهم في بناء المجتمع الذي يعيش فيه و يترك أثرًا، انطلاقًا من الأعمال التي يقوم بها في المجتمع سواء كان ينتمي إلى طبقة مهيمنة أو طبقة كادحة، بل إن المثقف العصري هو الذي يفرض وجوده في طبقته.

ولا يمكن أن نتحدث عن مثقف عند غرامشي بدون التحدث عن الدولة أو السلطة؛ لأنه يدخل عادة في صراع ظاهري أو خفي معها، فهو يقول في هذا التوجه عن الدولة: “ينبغي ألا تفهم الدولة على أنها فقط جهاز حكومي ولكن أيضًا ذلك الجهاز الأهلي (غير الحكومي) للسيطرة السياسية من أجل حكم المجتمع المدني. و لابد من ذكر أن الفكرة العامة للدولة والتوجه، تشمل عناصر نحتاج أن نرجعها إلى فكرة المجتمع المدني، ويمكن أن نقول أن الدولة = المجتمع السياسي + المجتمع المدني، أو بتعبير آخر “سيطرة سياسية يحميها سلاح القهر”، توجه بوصلتها مهما تقوت نحو ذلك المثقف الذي لا يحمل بين طياته إلا زاده الثقافي والمعرفي”.

و الآن نأتي لنوضح من أين يأتي المثقف أو من أين ينبع.. فبالرجوع إلى غرامشي الذي يقول: “لا مكان للمثقف فهو ابن طبقته قد يكون من الطبقة الكادحة أو من الطبقة البرجوازية، ولكن في أغلب الحالات يكون المثقف ابن الطبقة التي تعيش القهر في كل المجالات مما يجعله يثور و يتمرد على التعليمات التي لا تخدمه كفرد، فكما قلنا في السابق أنه هو الذي لا تخضعه الأيديولوجيات كيفما كانت. و هو ذلك الإنسان الذي تهمه مبادئه أكثر من مصالحه، و الذي لا يغير من مواقفه كيفما كانت. فأرى أن وظيفة المثقف هي الحفاظ أولًا و قبل كل شيء على المبادئ الإنسانية الكونية و عدم التحيز لأي جهة أو مذهب أو الانتصار لتيار معين”.

وختامًا يمكن القول أننا الآن في أمس الحاجة إلى مثقفين نزهاء تغلب عليهم ضمائرهم أكثر من مصالحهم الشخصية، يستطيعون الدفاع عن مصالح المجتمع، على عكس المثقفين العرب الموجودين اليوم بيننا، فلا نرى فيهم أي ذرة للثقافة أو العلم لا في خطابهم أو أسلوبهم أو في مشاركاتهم سواء الاجتماعية أو السياسية وغيرها.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق