مدونات
أحدث المقالات

ما لم تعرفه عن بقرة بني إسرائيل !!!

أكثرنا يعلم بقصة بقرة بنى إسرائيل، و لكن هناك من لا يعرفها جيدا و لذلك دعونا نسردها بإيجاز شديد حتى يمسك معنا بخيط المناقشة. تبدأ القصة بوجود رجل ثرى لم يكن له ابن يرثه و كان لديه ابن أخ  طماع شره لم يملك من الصبر كفاية  على انتظار وفاة عمه كي يرثه و إنما فضل أن يعجل الميعاد فقتله حتى ينعم بالتركة الثمينة، ثم نقل الجثة و وضعها عند مشارف قرية مجاورة معها خصومة مع قرية القتيل حتى تثبت ضدهم الجريمة . فى صباح ليلة القتل وجد القتيل و احتشد الخلق مندهشون مما يرونه و احتدم الموقف و كاد أبناء القريتين يتهمون بعضهم البعض  فى قتل القتيل ويختصمون ، ثم شاء الله أن يذهبوا للنبي موسى عليه السلام حتى يحتكمون إليه فى الأمر، و هنا أشار عليهم النبي موسى عليه السلام بأن يأتوا ببقرة ويذبحوها، ثم يضربوا بلحمها جثة القتيل حتى يبعث للحياة مرة أخرى ويخبرهم بالقاتل .

إسترسل بنو إسرائيل في طرح أسئلة تفصيلية لمواصفات هذه البقرة المنشودة . كان أساس هذه التساؤلات نوع من  التشكيك والاستهزاء، ثم أخبرهم الله بمواصفات البقرة . كانت المواصفات صعبة الوجود ، من إحدى تلك الصفات أن لونها أصفر فاقع تسر الناظرين . شرع أهل القريتين في إيجاد تلك البقرة حتى وجدوها عند غلام فقير ، ثم اشتروها و أخذ وزنها ذهبا ،ثم ذبحوها و ضربوا بها جثة القتيل و بعث مرة أخرى و أخبرهم بالقاتل و ظهر العدل.

هذه هي القصة المعروفة للناس و لكن ثمت قصة جوهرية داخلية تضيف ملمحا روحانيا إلى جانب إشعال قضية البعث بعد الموت و يوم الحساب هذا الملمح سنلمسه جميعا و ندرك جانبا آخر لم ينل القسط الكافي من الاستبصار.

تبدأ هذه القصة المجهولة  قبل وقوع حادث القتيل بعدة سنوات حيث كان هناك رجل صالح، وكان يتقي الله فى البيع و لا يغش رغم ضيق الحال . لكنه كان ممتلئا بالقناعة و اليقين ، و هى أشياء تجعل الإنسان قمة السعادة و الثراء . أنعم الله عليه  بزوجة مخلصة و رضيع صغير جاء بعد عمر طويل ، ثم مر بوعكة صحية أدرك حينا اقتراب الأجل ، فخشي على الرضيع و على زوجته و على بقرته الصغيرة . إحتار مليا في إختيار الصادق الأمين الذى يرعى هذه البقرة دون أن يسرقها من ابنه و لم يجد أحدا حوله ثم ذهب بقلبه إلي الله داعيا (اللهم إني استودعتك هذه البقرة فاحفظها لابني حتى يكبر) .

ثم قرر إطلاقها في المراعي و أخبر زوجته بصنيعه ثم مات. مرت السنوات و كبر الإبن حتى اشتد عضده حينها أخبرته أمه بقصة تلك البقرة و خرج باحثا عنها وسط المراعي حتى وجدها بفضل الله عز وجل و مواصفاتها الفريدة ثم عاد بها للمنزل. عندها وقعت حادث القتيل، و وجد هذا الغلام أهل القرية يلهثون وراء شراء تلك البقرة، فقام ببيعها لهم بوزنها ذهبا و أصبح بذلك ثريا جدا .

هنا هى النقطة المفصلية التى إستدعت الكثير من التساؤلات في خاطري هل كانت قضية البعث  تخدم قضية إيمانية أخرى ؟ هل كان تنطع بني إسرائيل و استرسالهم في طرح الأسئلة يوجههم لبقرة هذا الرجل الصالح ؟ هل كانت قصة الرجل الصالح إعداد لقصة قضية البعث، أم أن قصة قضية البعث جعلها الله سببا ليستفيد منها إن الرجل الصالح ؟

قياسا على ذلك في حياتنا اليوم، ستجد الكثير من الترتيبات الربانية التي لا نتوقف عندها كثيرا سواء كانت في حياتنا، أو حياة المحيطين بنا، و التي نوكلها إلى الأسباب و غفلنا اللمسة الربانية التي توفق الأسباب مع بعضها البعض حتى تخرج النتيجة التى نراها .

الكثير منا يمر بمحطات في حياته يتعرض لمواقف يختار فيها ما بين الخير و الشر، فهذا يشهد بالحق على الرغم من العواقب ،و ذاك الذي يرفض رشوة رغم ضيق الحال، و هذا الذى يستقيل من عمل يشوبه الحرام، و هذا الذى يبتعد عن الخمر و المخدرات أوقات الحزن والفراغ، و ذاك الذي يعمل بجد و اجتهاد و جعل من ضميره مراقبا و هكذا.

و لكن الكثير منهم لا يدركون وقع ما يفعلونه في السماء، و لا يدركون استحسان الله لصنيعهم في الدنيا ، و لو أدركوا أو استشعروا لتلمسوا توفيق الله لهم في حياتهم، و امتلأت قلوبهم بالسعادة و الرضا و قويت عزيمتهم و أصروا على استكمال مسيرتهم على نفس النهج القويم، و ترفعوا عن تصفيق الخلق و مقاييسهم  السطحية و مقاييس الحياة المحدودة .

ما ضرك جهل الأرض بك إن كنت معروفا في السماء!!!

أنار الله قلوبكم وأسكنها السكينة والاطمئنان .

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ايمان عبد الناصر قاسم

ايمان عبد الناصر قاسم مترجمة وكاتبة مصرية

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق