سياسة وتاريخ

التطبيع مع إسرائيل.. ما عاد الإنكار يفيد!

فجر “بنيامين نتانياهو” رئيس وزراء الكيان الصهيوني مفاجأة من العيار الثقيل للشعوب العربية خلال كلمة ألقاها بالأمس، أعلن فيها رئيس الحكومة الموصوم بقضايا فساد أن الدولة العبرية بصدد عقد معاهدة سلام مع ست دول عربية، وإن شئنا الدقة ست أنظمة عربية، معتبراً ذلك إنجازاً للكيان الغاصب، ومشيداً بالعلاقات السرية المتينة التي ربطت إسرائيل بدول عربية خليجية على وجه الدقة، ومشدداً على أنها تمثل تغيراً إيجابياً في نظرة الأنظمة الحاكمة في العالم العربي المنكوب للصهاينة.

وقبل حديث نتانياهو بفترة وجيزة خرج “إيدي كوهين” أستاذ العلوم السياسية بجامعة بار إيلان، والمقرب من الحكومة اليمينية الحاكمة، أن الشعوب العربية لو علمت بما يقدمه حكامها لإسرائيل في السر ستشيب رؤوس أفرادها من هوله، موضحاً أن إسرائيل منذ قيامها تراهن دوماً على الحكام العرب في بقائها، ولتذهب الشعوب التي تكن لها الكراهية وتود محوها إلى الجحيم.

وفي مشهد سابق للمشهدين أعلن وزير الخارجية البحريني “خالد بن أحمد” في تغريدة على حسابه الرسمي بتويتر، أن بلاده تتفهم دوافع إسرائيل في الدفاع عن أمنها ومصالحها، في صك براءة للدولة العبرية من جرائمها بحق الفلسطينيين وبقية الشعوب العربية في خنوع مذل، صار عنواناً للمرحلة الحالية التي سجدت فيها الأنظمة العربية لحكومة المتطرف بيبي، متسائلة في ذلة “هل من مزيد؟”

دعونا نتفق في بادئ الأمر أن تلك الأنظمة المصطنعة شكلها الغرب منذ الانقضاض على الدولة العثمانية بعد اتفاقية سايكس بيكو المشئومة عام 1916؛ لتكون وكيلة له في الحفاظ على مصالحه، بعدما وجد أن تكلفة الاحتلال العسكري ستكون باهظة، ولوضع الشعوب الناقمة على تلك الدول المحتلة في حظيرة الطاعة قسراً، والأهم من هذا وذاك حماية الكيان الدخيل على تلك المنطقة عندما تحين ساعة الصفر لإنشائه.

بعدما انتهت الحرب العالمية الثانية، وأصبحت الولايات المتحدة سيدة العالم، وقررت إقامة إسرائيل بالتعاون مع بقية الدول اللكبري، أصدرت أوامرها لأنظمة الدول المجاورة لإسرائيل بمعاداة إسرائيل في العلن؛ لاسترضاء شعوبهم الحانقة عليها، وتنفيذ كل ما يحقق مصالح تل أبيب سراً، وهكذا سارت المعادلة مع إضفاء تغييرات بسيطة، كحروب محدودة لتأديب هذا النظام أو ذاك مثل حرب 1967، أو حتى تحيد دول عن الصراع كما حدث في معاهدة كامب ديفيد مع مصر عام 1978، لكن ظل الهدف الأهم متحققاً، وهو تفرد إسرائيل بالسيطرة في الشرق الأوسط، بل وتمددها في هذه الأرض أو تلك حسبما يقتضي أمن الصهاينة.

لكن مع استمرار القمع وغياب الديمقراطية وسوء حال المواطنين العرب، اندلع الربيع العربي الذي شكل التهديد الأخطر لإسرائيل منذ قيامها؛ كونه استهدف نظم الحكم التي شكلت العين الساهرة على أمن الدولة العبرية، من هنا تحالف ما بقي من أنظمة القمع العربية مع الصهاينة؛ لحماية عروشهم وثرواتهم الحرام لقمع الإرادة الشعبية، في مقابل تقديم كل ما يرضي غرور الاحتلال، في مقابل أن تدافع عنهم إسرائيل ضد إيران.

هنا استنزفت إسرائيل أنظمة سايكس بيكو تارة بالحصول على أموالهم لبناء المستوطنات وتهويد القدس، وثانية بتحميلهم الكلفة الأكبر في تصفية القضية الفلسطينية عبر صفقة القرن، وأخيراً لقاء مسؤولين إسرائيليين في العلن كما حدث في مؤتمر وارسو العام الماضي، وليس في السر كما كان يحدث منذ عقود؛ فنتانياهو اعتبر أن إسرائيل أصبحت من القوة، بحيث تقيم علاقات دبلوماسية تستوفي الشروط الصهيونية من التطبيع، والتعاون المخابراتي، والتفريط في أوطان الشعوب دون تقديم أية تنازلات من تل أبيب، ولا يمكن لأحد بعدها من العملاء ادعاء الشرف بعدما سقط قناع العداء المصطنع، وصارت الخيانة على رؤوس الأشهاد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019
زر الذهاب إلى الأعلى