مدونات

ما الوعد الذي يجب أن نحمله للكون في ظل سيطرة الإنسان ؟

على الرغم من تحقق سيطرة الإنسان على الأرض منذ عشرين ألف سنة، وامتلاكه مواردها، وصعوده إلى الفضاء وكتابة تاريخ الكون والحياة وتاريخه البيولوجي، إلا أن كل هذا مآله إلى العدم والتلاشي، وهي حقيقة لا مفر منها. لقد حاول الناس إنكار هذه الحقيقة باللجوء إلى ما يتجاوزها، فآمن الناس بوجود جوهر يملأ ذلك النقص، وهذا الجوهر أبدي لا يموت بموت حامليه. وهذا الاعتقاد الذي طرحته الأديان يؤمّن للفرد صرحا نفسيا يلوذ به.

لكن هذه الأفكار كانت تتهاوى مع تقدم الخطى العلمية المتسارع. لذا ابتكر البعض منظورا آخر يتجاوز الفرد بأن يجعل جوهره ما يحرض عليه من فكر ومقدمات يستهلها أخلافه، وبالتالي يكون استمراره من استمرار أعماله وآثاره. وهكذا لا يستمر الفرد، بل البشرية التي تكتشف الكون وتتعرف إلى نفسها مع الأجيال، وتصبح كيانا واحدا. لكن هذا الصرح يتهاوى أيضا مع اليقين بأن النوع البشري سوف يختفي عاجلا أم آجلا، حتى ولو بعد مليارات السنين. لقد كان ظهور الحياة معجزة قاومت عوامل الزمن الهادمة، وبعد نشوء ظاهرة التكاثر (الاثنين ينتج واحدًا) ظهر دور الصدفة في عملية بناء الكائن الحي من خلال الطفرة، وهذه المصادفة لعبت دورا أساسيا في انخفاض الأنتروبي (الاضطراب) في الكائن الحي، ففي الوقت الذي تتجه فيه كل منظومة فيزيائية نحو الاضطراب، كانت الحياة تتجه نحو التعقيد والتنظيم.

لكن هذا النصر التكتيكي يبدو أنه يواجه مصيرا محتوما، وهو الزوال. إننا محض تجمع تصادفي للذرات المتآلفة التي تشكل ما نحن عليه من خلال انتظامها في هذا الكيان، وهي قادرة على تشكيل أنظمة لا حصر لها من خلال التفاعل فيما بينها بطريقة معينة، واحتمالية الطرق التي يمكن للذرات التفاعل وفقها لا نهائية. ولكن عند انفكاك تلك الذرات عن بعضها فإن ما كانت تشكله سوف يختفي من الوجود. وكل ما أفكر فيه وأشعره يشتعل في داخلي، هل هو حصيلة نشاط للذرات في عصبوناتي، بالتالي وهم؟ إنه سؤال بلا إجابة.

لقد انشغل ألبير كامو بالسؤال حول مسألة “ما الذي يجعلنا نواصل العيش في عالم عبثي؟” لكن مع طرح هذا السؤال يجعل جميع الأسئلة، بما فيه سؤال كامو، سخيفا.

إن هذا الكون عبثي وخال من المعنى وهو كما عبر تشارلز داروين: مليء بالقسوة أكثر مما ينبغي. لكن الإنسان يمكنه أن يتخيل عالمًا جميلًا وكاملا ومليئًا بالعدل والسعادة، فهل هذا العالم موجود؟ لقد أوجده الإنسان في عوالم الخيال والحلم، بدافع الحاجة، فمن أين أتت للإنسان هذه القدرة؟ وما السبب في سيطرة الإنسان على بقية الكائنات؟

كتب عالم الوراثة الفرنسي ألبير جاكار: الإنسان القادر على تملك الكون بتمثله داخله.. يعلم أنه فان، وسيكون موته، الماثل في وعيه كل لحظة من حياته، بلا نهاية، وتصبح أبدية موتنا، بسبب استحوازها علينا، امتدادًا لحياتنا، فكيف لا يغرينا أن ندرج قليلًا من حياتنا في هذه الأبدية!

يجيب أغلب رجال العلم: إن ما بعد الموت مماثل لما قبل الولادة. وبتعبير كارل ساغان: الموت نوم بلا أحلام. لكن هل نقبل ببساطة بهذه الإجابات ونتوقف عن السعي؟ لقد جذبت الأديان ملايين البشر إلى كاتدرائياتها لأنها تقدم إجابة تلتف على هذا الجدار القاسي. لكن ما هو موقف العلم؟ لم يشهد تاريخ العلم نزاعات دامية كما شهد في صراعه مع المؤسسات الدينية. وتلك النزاعات والمحاجات كانت لا تعدو عن كونها تلاعبا باللغة والمصطلحات. إذ يمكن تفسير أي ادعاء ديني بمعان مختلفة. للغة دور مهم في فهم تلك النقاشات. في فيلم الخيال العلمي the Arrivals من بطولة إيمي ديفيد، يفد زوار من حضارة فضائية متقدمة بعيدة إلى الأرض، ويمنحون إحدى عالمات اللغة لغتهم الخاصة. وهذه الهبة تجعلها تدرك الزمن بطريقة مختلفة عن بقية الناس، فتتداخل المسارات الزمنية في عقلها، ويصبح للمستقبل تأثير على الحاضر بقدر تأثير الماضي.

إن العلم هو منهج منضبط ومنطقي لفهم الكون. وهو لا يهتم بتقديم إجابات تتعلق بمصيرنا البشري أو مدى سيطرة الإنسان وهمومنا ومخاوفنا. وهو يقوم على القوانين التي هي خصائص تتعلق بالعالم، وهي ثوابت لا تتغير بتغير الزمان والمكان مثل الجاذبية وقانون كولومب وسرعة الضوء. وهذه اللامتغيرات هي أساسا افتراضات قائمة على مقياس مشاهداتنا وضرورات من دونها سيكون العلم هباء. هذا ينطبق بشكل أساسي على الفيزياء، بينما تقوم علوم الحياة على المفاهيم كما أوضح إرنست ماير في كتابه this is biology. والعلماء هم بشر، ليسوا بمنأى عن الاعتقادات الشخصية، والتي لها دور كبير في العلم. لكن ليس من وظيفتهم الإيحاء بأي معتقدات ماورائية ومفارقة. إن الممارسة العلمية هي حوار مع الطبيعة لاستنطاقها بالإجابات عن تساؤلاتنا. والطبيعة لن تبوح بكل شيء، ومن الواضح أن هذه حقيقة ليست سيئة، لأنها تجعلنا نواصل السعي والتساؤل والشغف كما يقول تشومسكي. لكن لن يفيد أن نطرح على الطبيعة تلك التساؤلات التي تتنامى داخلنا ونحملها أينما ذهبنا: هل سوف تتبدد جميع العوالم التي في داخلي بتحطم البنى الفيزيائية التي أتكون منها؟ أم أنها لا تخضع لآليات التدمير وشتات الزمن؟.

ربما يكون من الأفضل ألا نحصل على إجابة، ويبقى الفضاء مفتوحًا. تقول الكتب الدينية إن الإنسان مخلوق على صورة الله، وقد استخدمت تلك الكتب كرسالة من أجل احترام الإنسان، وتعزيز فكرة سيطرة الإنسان.. كما استخدمت لتبرير أشنع الجرائم بحق الإنسانية كتلك التي ارتكبتها محاكم التفتيش والجماعات التكفيرية. والموقف الشريف تجاه العلم والدين يتمثل في تحييد العلم عن أي معتقدات شخصية وماورائية؛ وأن نملأ أنفسنا بالجمال والمحبة: النظر بأمل في عيون أطفالنا، نشر ثقافة احترام الآخر وتبجيل الطبيعة ومعالم الوجود، العمل بجهد من أجل أن ينال كل إنسان حياة كريمة تستحقها إنسانيته.. هذا ما يجب أن يكون هدفنا، وتحقيق الوعد الذي ينبغي أن نحمله. أليست هذه الطريقة الأمثل ليكون الإنسان على صورة الله؟

اقرأ أيضًا :

ثقافة العصر الحجري القديم الأوسط: كيف عاش الناس قبل 200000 سنة؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق