ثقافة وفنون

ما الفائدة من قراءة الروايات؟

كانت الروايات ومازالت ذاك العالم الفاتن الجذاب الذي يغريك بالسير في شعابه  والتنقل بين دفاته، وتذوق ما يبذله وما يجود به من عوالم مختلفه ومشاعر متباينة، تلامسنا بصدق  في أحيان كثيرة وتروي ما تخبئه قلوبنا، ومن منا لم يغرم بقصة أو رواية في إحدى مراحل حياته، فتأخذه في تفاصيلهاالشيقة وطياتها الآسرة بين لذة لقاء أو ألم فراق، برفقة شخصياتها الذين نصادقهم أحيانا، و ربما نشتاق إليهم في أحيانا أخرى. فلماذا يعتبرها الكثيرون مضيعة للوقت واستنزافا للمشاعر وبلا فائدة؟!

هل هي حقا مضيعة للوقت؟

عندما تسأل الكثيرين عن أول كتاب قرأوه، يجيب الكثيرون بأن الروايات والقصص والسير الذاتية  كانت هي  الباب الذي أدخلهم عالم الكتب ثم تنقلوا بين رفوفه المختلفة. إذا فلها يعود الفضل في تصالح الكثيرين وخاصة من النشئ والجيل الغض  مع عالم الكتب الذي لا يتسم بالجاذبية التي يستحقها، و لا الاهتمام الكافي في وطننا العربي. و في عالم اليوم المليئ بالمشتتات تعد قراءة الروايات بعيدا عن صخب وسائل التواصل وتأثيراتها السلبية المتزايدة  ملاذا آمنا ذا ثمرات مأمولة.

ومن هذه الثمرات عدا ذلك أنها تصقل قدراتك على الاصغاء و احتواء الآخرين وتفهم مشاعرهم والتي قد تبدو لنا غير مفهومة أو مقبولة لأول وهلة، وتمنحك شخصية مرهفة حساسة، لأنها ببساطة قادرة على الغوص عميقا في دواخلنا وتستشف ما تخبئه النفس وتلمس مواطن الألم والضعف ومنابع الفرح والسعادة على حد سواء. ومن خلال حبكة قصصية متقنة سيستطيع كاتب الرواية أن يخوض بك في غمار النفس البشرية وفهم شيئ من أحوالها و تقلباتها من خلاص شخوصها وأحداثها. المثال الأعظم لذلك والأكثر إبداعا وإعجازا والذي أماط الغطاء عن هذه النفس البشرية بتشعباتها وتلابيبيها المعقدة هو القرآن الكريم والذي تميز بالسرد القصصي البديع الخلاب الذي لاتمل منه ولا من كلماته اﻵسرة الماتعة وهو يبحر بك بكل سلالة  ثم هو يعيدك وقد اعاد للنفس توازنها ورواها من حيث لا تظمأ.

ومهما تجولنا  في أرجاء التاريخ شرقا وغربا، ووقفنا للحظات أمام نيقولا كازنزاكس، إميل زولا، فيكتور هوجو، أو حلقنا بإتجاه الادب الروسي في معطف جوجول أو كتب انطون تشيخوف وروايات تولستوي وغيرهم الكثير، فأنه لا يخفى على احد الأثر الذي تتركه رواياتهم على شعوبهم وعلى كل من يقرأها حتى اليوم.

وقد تعد الروايات مصدر للإرتواء الروحي، ففي اليابان مثلا، يتلقف الناس الروايات بشغف بالغ بمن فيهم ربات البيوت و اللاتي يحرصن على قراءة روايات لكبار الكتاب والفائزين بالجوائز الأدبية المحلية والعالمية.

لكن هل ينطبق الكلام على عالم الروايات بأكمله؟

في الحقيقة وبعيدا عن تأثيرها الساحر و ثمراتها المرجوة فإنها تحمل بين دفاتها الغث والسمين وفيها مايروي عطشك وماهي مجرد سراب، فنحن لا يمكننا التجني على أسلوب الكتابة اﻷكثر جاذبية وإمتاعا وتأثيرا لصالح روايات لا تعد إلا حشوا  ﻷحداث وسردا مجردا يفتقد روح الإبداع و معالم الحبكة القصصية، ولصالح من يقحمون انفسهم في صناعتها.

يعتقد الكثيرون ممن يحبون قراءتها أن لديهم بالتالي و بنفس الدرجة القدرة على كتابتها وهذا إلى حد ما خاطئ. لا يحق ﻷحد أن يصادر حق شخص ما في الكتابة، لكنها حرفة يجيدها القليلون، وتتطلب الموهبة أولا ثم اتقان أدواتها والتمرس طويلا في عالم الكتابة، والأهم أن تمتلك فكرة ورسالة تؤديانها وتصل بفكر ومشاعر القارئ إلى أماكن جديدة، وتفتح له إن أمكن قنوات في إدراك ما كان يجهله في العلاقة بنفسه أو مع من هم حوله أو حتى بعلاقته بخالقه. 

مروة فؤاد الأغبري

مدونة يمنية
زر الذهاب إلى الأعلى