علوم وصحة

ما الذي يجب علينا معرفته حول ظاهرة التطور ؟

إن عدم استيعاب التعقيد البيولوجي في الأحياء ناجم عن عدم استيعاب حدسي لمدى ضخامة الزمن المتاح للتغير التطوري. إذ أن الزمن المقدر للتغير التطوري القابل للملاحظة قد يستعرق آلاف السنين، وهي تمثل لمحة في التاريخ الجيولوجي للحياة. ورغم ذلك، قد تحدث تغيرات في وتيرة سريعة بسبب الضغوط الانتقائية، ففي خلال مئة سنة صنعت أنواع من الفراشات في الثورة الصناعية تغيرُا في لونها. والأمر الآخر هو الخلط المستفز بين الانتخاب الطبيعي والعشوائية. إن ظاهرة التطور تقول إن الطفرة عشوائية ولكن الانتخاب الطبيعي غير عشوائي، فهو يمثل حصيلة العوامل البيئية التي يبقي على الطفرات التي تعين الكائن الحي على البقاء، وتمرير جيناته للذرية عبر التكاثر.

الأحياء على درجة من التعقيد المدهش بحيث لا يمكن أن تكون صدفة. لقد تكونت بوساطة تحولات تدريجية من بدايات أولية بسيطة، لكن التسلسل النهائي للخطوات التراكمية يتكون من أي شيء إلا الصدفة. إذن، التطور أو انشعاب الأنواع لا يحصل بقفزات مفاجئة خلال عقود أو مئات السنين.
نظرية التطور الكلاسيكية التي وضعها تشارلز دارون في كتابه “أصل الأنواع” في منتصف القرن 19، تطورت كثيرا على مدى 150 سنة. النسخة التي قدمها دارون لم تكن مدعمة بدلائل وراثية لذا فقد تركز اعتماده على الأحافير. الدلائل اللاحقة من عدة علوم متكاملة هي التي أثبتت صحة نظريته، وليست تلك التي قدمها دارون أو ووالاس!
المغالطة الأخرى الشائعة هي أن أصل الإنسان ينحدر من القردة المعاصرة، وهذا غير صحيح. إن علاقة القرد والإنسان أفقية وليست رأسية، فنظرية التطور تفيد بأنهما يتشاركان سلفا مشتركا، كحال جميع الأحياء الأخرى، بالتالي فإن الشمبانزي والبنوبو هم الأقرب للإنسان من الناحية الجينية. وتقانة الساعة الجزيئية أرجعت تاريخ إنفصال النوعين إلى 6-7 مليون سنة تقريبا، وهو تقريبا زمن ظهور أنواع يحتمل أنها تسير منتصبة مثل إنسان الساحل التشادي وأورورين، والتي تلاها ظهور الأرديبيتيكوس والأوسترالوبيثك، وتشعب أنواعها وسماتها الموروفولوجية. تلك السمات أثبتت أن عملية تطور الإنسان ليست صراعًا خطيًا، بل هي تجارب تطورية متكررة ومعقدة لا زالت كثير من جوانبها غامضًا.
أما بالنسبة للادعاء بتناقض النظرية مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية (الأنثروبيا)، فإن هذا الاعتراض يغفل أن القانون الثاني للديناميكا الحرارية ينطبق على الأنظمة المغلقة، والأنظمة البيولوجية هي أنظمة مفتوحة (لاحظ عملية التركيب الضوئي أو عملية تكون الجنين على سبيل المثال.
ويدعي بعض المعارضين لنظرية التطور أن اعتراضه الوحيد على النظرية في بعض حيثياتها وتحديدا ما يسمى بالتطور الماكروي (الكبروي) أي استحالة الأنواع (تحول نوع لنوع آخر) فيما يثق بالتطور الميكروي (الصغروي). وهذه مغالطة شائعة. لا يوجد نوعين للتطور ماكروي أو ميكروي؛ عملية التطور حسب الداروينية الجديدة هي تراكم لتغيرات طفيفة عبر أجيال متلاحقة. هذه التغيرات الصغيرة تبدو عظيمة حين نعاينها ضمن فترات زمنية كبيرة، والعكس.
أخيرا، هناك فرق بين ظاهرة التطور كحقيقة لا خلاف عليها، وبين نظرية التطور كمنهج علمي لشرح الكيفية وآليات سير العملية التطورية، إذ يُجمع علماء الأحياء على أن التحدر مع تغييرات (أي التطور) هو من أكثر الحقائق المؤكدة على نحو موثوق في العلوم. ويوجد خلط كبير بين المذهب اللاماركي والدارويني في التطور. لامارك قال بأن الأنواع تتكيف مع الطبيعة، فيما ذهب داروين إلى أن الطبيعة تنتقي الكائنات الأصلح لبيئاتها وهو ما يتبناه العلماء اليوم. ويُعاب على لامارك كذلك اعتقاده بأن السمات المكتسبة تورث وهو ما تبين بطلانه تجريبيًا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق