مدونات

ما أدراك ما الحب؟

كثر اللغط والكلام حول الحب، فتجده في الأفلام وعلى كل لسان حتى لا تكاد تخلوا أفواه شبابنا منه ذكوراً وإناثا، ولكن هل تعتقد أنك إذا سألت أحدهم عن معنى الحب وماهيته هل سيجيب أم سيتلعثم؟ قف واسأل نفسك هذا السؤال، فإذا كنت منهم فأنصحك بالمتابعة، والله ولي التوفق.

نبدأ بادئ ذي بدء بتعريف الحب كلغة، وهذا الأمر يحتاج منا التنقيب عن ما يرد به الحب في المعجم العربي وكذلك الأعجمي، وعند البحث عن الحب في المعجم العربي، نجد أنه يدل على العشق [التعلق الدائم بالشيء] وكذلك ما يثمر نتيجة حسنة [حبوب الذرة]، إضافة إلى العلل [الحبوب تلك البقع الحمراء التي تظهر على الجسم]، فهو إذن عشق دائم يثمر وتنتج عنه علل.

وأما بالنسبة للمعجم الغربي، فنجد أنه يدل على إشباع الرغبات الإنسانية مادية أو معنوية، ويفرق بين المحب والشهواني بأن الأول يراعي محبوبه، والثاني لا يراعيه، فهو يفعل ما يصب في مصالحه الشخصية فقط.

وبعد التعرف على المعنى اللغوي للحب، أود أن أسألك سؤالًا بريئًا، هل أنت ممن إذا سئل عن الحب أجاب بأنه مشاعر أو عواطف أو أحاسيس؟ إذا كنت منهم إليك معنى كل واحد منهم.

تعتبر الأحاسيس كل ما يتعرف عليه الإنسان من خلال حواسه الخمس؛ السمع والبصر والشم والتذوق واللمس فهي خارجية، [الإحساس بلمس شيء بارد أو ساخن أو شم رائحة أو سماع همس أو لمح شيء مر بسرعة].

وأما المشاعر فهي كل ما يتعرف عليه الإنسان من خلال مداركه وعقله ونزعاته فهي داخلية، [الشعور بالجوع بالصداع والألم والعطش والقلق والحزن والفرح والكآبة].

وأما العواطف فهي تقويم للأحاسيس والمشاعر، فهي تجميع لما تم تحصيله من إحساس وشعور، ومن خلاله يتم الحكم بالإعجاب بالشيء أو عدم الإعجاب به.

ونمثل لما سبق إذ بالمثال يتضح المقال، وهذا ينطبق على علاقتك بالإنسان والحيوان والجماد، ولكن نكتفي بالمثال التالي، مثلاً إذا رأيت شابة أو شابًا على حسب جنسك -وسأتمم الكلام بصيغة الذكر لا للنزعة الذكورية ولكن لأن كلام العرب الذي يخاطب به الذكر يشمل الذكر والأنثى- فلك أمران؛ إما أن تراها ببصرك، أو تشم رائحة عطرها، أو تلمس بشرتها، أو تتذوق طعامها، أو تسمع كلامها، فتكون عنها نظرة إيجابية أو سلبية، ثم تنتقل إلى نزعاتك، أأنت تبحث عن مكانة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو جنسية أو دينية؟

فمثلاً هناك من سينفر من الفتاة المتبرجة باعتبار منظور ديني، وهناك من سيهرول إليها باعتبار جنسي وغيرها، فتتكون نظرة أخرى إما سلبية أو إيجابية.

ثم تتنتقل إلى الإدراكات والمعارف السابقة، التي تحتوي على الخبرات السابقة وفهم الأشياء وتحليلها، مثلاً هناك من له الخبرة بأن يعرف من النظرة الأولى هل ستقبل الفتاة بالكلام معه أم لا، وهناك من يحلل أفعالها فيرى هل هي صالحة له أم لا، فيكون مرة أخرى نظرة إيجابية أو سلبية، فتعمل بذلك.

العواطف على جمع هذه المعطيات وتحليلها جيدًا لتصدر في الأخير حكمًا بالإعجاب أو عدم الإعجاب، وبهذا فلا أساس للقول بالحب من النظرة الأولى، لأن ما يطرأ هو إعجاب لا حب.

ولما كانت هذه الأشياء سببًا في جذب الجنس إلى الجنس الآخر، وغالبًا ما يكون للحرام إن لم نقل دائمًا؛ لأن أغلب من يكونون هذه الصداقات لا يتزوجون، وإن تزوجوا لا يتفاهمون لكثرة الكذب الذي كان بينهم من قبل، فلذلك أمر الإسلام بغض البصر وعدم خضوع المرأة في القول أي تزيينه ليستميل الذكور، وعدم وضع الزينة على الوجه وكذلك العطر، وكذلك تحريم المصافحة واللمس، لينقطع حبل التعارف في إطار غير شرعي، فمن أرادك فهو يعرف باب دارك.

فإن كان رجلاً فليتكلم مع الرجال، وليقصد أباك أو أخاك، كما منع النزعات الجنسية فحرم الزنا واللواط والسحاق، ومقت الركوب على ظهور الناس من أجل قضاء الأغراض وقضاء الحاجات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، لأن هذا يفنى ولا يبقى إلا الدين وحسن الخلق الذي هو جزء مهم من الدين.

وبالطبع إذا لم تفعل هذا أبدًا فلا يمكن أن تكون لك معارف و لا مدارك حول النساء وما هن عليه، فتتقي فتنتهن وهن كذلك، بهذه الطريقة يتقين فتنة الرجال، فالكل سواء في هذه المسألة، فبذلك تكون عاطفة المسلم بالإعجاب بالفتاة الملتزمة بدينها وعدم الإعجاب بالتي أخلت بدينها.

وأما الحب فلا يأتي إلا بعد الاجتماع وطول العشرة، لذا جعل الله الزواج بنية الدوام، لأنه السبيل الأوحد لتكون الحب، إذ به يتعرف كل واحد على الآخر ويصبر على أذاه ويشاركه أفراحه وأحزانه، وقد يصل إلى التضحية في سبيل بقاء الآخر، فما دمت يا أخي لم تعش مع الذي أعجبت بها أو أعجبت به تحت سقف واحد وذقتم المرارة والحلاوة، وغدا كل واحد منكم يرى في نفسه التضحية من أجل الآخر، فلا تتتكلم عن الحب ولا تتكلمي عنه، واعلما أنكما قد أعجبتما به وأتحداكما إن تعرفتما على من هو أفضل ألا تتركا الأول من أجل الثاني.

هذا إذا كنت ترى المحبوب، أما إذا لم تره فيكون الحب لمن تسبب لك في الحياة ابتداءً، أو كان سبباً مباشرًا في إنقاذك من الهلاك أو بعث لك من ينقذك، أو من وضع لك امتحانًا وأطلعك على ما يتم به النجاح في الاختبار ووضع لك في الأخير جزاء بكل عدل إما تنجح أو ترسب، وكذلك من اجتمعت فيه كل الصفات الحميدة وتنزع عن الصفات الذميمة.

ولهذا نحب الله تعالى؛ لأنه اتصف بهذه الصفات كمالاً، ويمكن أن نحب غيره إذا اتصف بها تغليباً كالنبيين وصالح المؤمنين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق