مدونات

ماهي رسالتك في الحياة؟

يحكى أنه كان هناك جراح يعمل في تقطيب الجرح الخاص بالعمليات بعد أن ينتهي الطبيب المتخصص من إجراء العملية للمريض، وقد كان غاية في البراعة بحيث يقطب الجرح بطريقة تجميلية تخفي الكثير من أثر الجرح، وتخفف من المنظر التشوهي الذي يظهر غالباً بعد إجراء أي عملية.

كان يُدعى في أغلب العمليات؛ لخبرته وتقنيته في العمل، بحيث يثق فيه أغلب الجراحين، ويشعرون بالاطمئنان عندما يكون هو من سينهي العملية بتقطيب الجرح.

لكن هذا الطبيب رغم براعته وخبرته وحرفيته فيما يعمل، إلا أنه كان يشعر بعدم الرضا عن عمله، وكان دائم الشكوى من أن عمله هذا ليس بشيء، خاصة عندما كان زملائه في المستشفى من الأطباء الكبار والجراحين يتندرون عليه بأن كل واحدٍ منهم يعالج الكثير من الأمراض المستعصية؛ كأمراض القلب، والسرطان، والأعصاب، والعظام، والأمراض العضوية الأخرى، أم هو فلا يفعل شيئًا سوى تقطيب شق بسيط لا يتعدى 2 مللي في الجراحات الكبرى.

كان يشعر أن دوره صغير في هذه الدنيا، وأن عليه أن يقوم بعمل خارق كبير، ليس الدور الذي يقوم به وكأنه خياط يرقع شقاً في قماش، كان يشعر بعدم الرضا بل أحياناً بالعار مما يفعل، بجانب ما يقوم به زملائه الأطباء.

في ذات يوم، بعد انتهاء العمل ومغادرته للمستشفى، التقى بصديق له والذي كان مجهدًا بشدة من كثرة العمل والمتابعات للمرضى، فعندما أراد أن يهون من استياء زميله نحو العمل، رد زميله قائلاً بسخرية: “ماذا تعرف أنت عن هذا العمل، فما عليك سوى ترقيع الجروح، ونحن نقوم بالمهمة الأصعب”.

كان الكلام قاسياً عليه، وشعر أنه لابد أن يقوم بتغيير عمله، ولا يعود للعمل هذا على الإطلاق، وقرر ترك العمل من صباح اليوم الثاني، و سيتقدم باستقالته فهو لا يفخر بعمل كهذا.

عاد إلى البيت، وحاول النوم ولكن لم يستطع، كانت أفكاره كلها تدور حول ماذا يمكن أن يعمل إذا ترك عمله، ماذا يتقن غير عمله كجراح متخصص في معالجة الجروح، و عاد ليفكر ما هي رسالته في هذه الحياة؟ لماذا هو هنا؟ وما الغرض من وجوده؟ لكنه لم يصل لشيء حتى غلبه النعاس.

في نومه حلم بحلم غريب، رأى صفًا طويلًا من الناس يقفون منتظرين دورهم، وفي كل مرة يتزايد عدد الناس المنضمين للصف ويقفون بانتظار دورهم في هذا الصف بانتظام، ذهب بدوره ليقف مع الجميع في هذا الصف.

عندما اقترب دوره رأى أن الله يوزع لهم حصصهم من العمل في هذه الدنيا، وكل واحد يأخذ حصته ونصيبه، فكان يرى الذين سبقوه، منهم من أخذ 20 فداناً، ومنهم من أخذ 3 فدادين، ومنهم من أخذ متراً واحداً، كان يتعجب من تفاوت نصيب كل واحد منهم، كانوا يأخذون نصيبهم ويغادرون في رضاً تام.

عندما جاء دوره، كان ينتظر بشوق ليعرف كم سيكون نصيبه من العمل في الدنيا، أعطاه الله صك بـ 2 مللي فقط!

وقف مصدوماً مما رأى، 2 مللي فقط!

الناس تأخذ بالفدادين وأنا 2 مللي!

استيقظ على صوت المنبه، ليحين موعد استعداده للذهاب للمستشفى، فهناك عدة عمليات بانتظار أن يقطب جروح أصحابها.

ذهب إلى المستشفى، وأخذ يستعد بتغيير ملابسه وعمل الإجراءات والتعقيمات اللازمة ليدخل غرفة العمليات، لإجراء عملية جراحية سيشارك فيها الطبيب الذي يجري العملية ليقوم بتقطيب جرح العملية.

عندما انتهى الطبيب المعالج من عمله، وبدأ هو بتقطيب الجرح كان مقاس اتساع الجرح 2 مللي، وفجأة تذكر حلم الليلة الماضية، كان مصدوماً ومتعجباً، اتضح له الأمر وقتها وفهم مغزى ورسالة حياته.

نعم قد يكون عملك صغير بحجم 2 مللي، لكن شأنه كبير، لم يكن أحد من الجراحين إلا ويتسابقون ليكون معهم في أي جراحة يقومون بها؛ لبراعته في العمل، وقدرته على أحكام تقطيب الجراح بطريقة لا يمكن أن تنفتح ولا يصيبها إلتهاب نتيجة سوء الخياطة.

لقد أدرك دوره في الحياة ورسالته ليس من الضروري أن تقوم بالأعمال العظيمة والمنجزات الخارقة؛ لأن عمله هذا هو عمل عظيم لا يُستغنى عنه، ولا يمكن إجراء عملية بدون هذا الدور، وإلا فقد يفقد المريض حياته.

الهدف من هذه القصة هو أن الكثير منا يبحث عن رؤيته ورسالته في الحياة بعيداً عن ما يقوم به، ولا ضير في ذلك إن كان بمقدوره أن يوفق بين الاثنين، عمله ورسالة أخرى يرغب بها ويعلمها جيداً، فالعمل مهم لكسب الرزق، والرسالة مهمة لكسب القيمة الحقيقة في الحياة.

لكن يجب أن يقدر المرء قيمة ما يعمل ويحبه ويسعى لإتقانه، فالله ينظر لأعمالنا جميعاً بنظرة العدل، وقد مكن لكل واحدٍ منا حسب قدرته وطاقته في التحمل.

أنت عظيم في ما تعمل إن كان في صالح الخير والبشر والأرض التي جعلنا الله خلفاء فيها، مهما كان العمل صغيراً في نظر الغير، فهو كبير في نظر الله.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Sana Omar

سناء عمر ، مدربة في مجال إدارة الأعمال والتنمية الذاتية، كاتبة ومدونة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق