سياسة وتاريخ

ماكرون يتحالف مع الدب القطبي

خلال كلمة سبقت زيارته إلى روسيا في التاسع من فبراير الجاري، طالب الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بتشكيل نظامٍ أمنيٍ أوروبيٍ بمعزلٍ عن الناتو أو الولايات المتحدة على حد سواء، وطالب ماكرون في كلمته بضم روسيا لذلك النظام الأمني؛ معتبراً أن موسكو لا غنى عنها في هكذا أمر لأمن القارة العجوز، كونها جزء من أوروبا من جهة، ومن جهة أخرى واحدة من الدول الخمس الكبرى المهيمنة على القرار في العالم.

رد الروس التحية الماكرونية بأحسن منها، فاستقبل الرئيس الفرنسي المأزوم في بلاد الغال استقبالاً حافلاً من القيصر بوتين، ووعد بإجراء محادثات بين البلدين على مستوى وزيري الخارجية والدفاع لكل منهما، كما قطع وعداً بحضور الاحتفال باليوم الوطني الروسي في التاسع من مايو القادم؛ احتفالاً بمرور خمسة وسبعين عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية.

موقف فرنسا من روسيا ليس بالأمر الجديد، فمعروف العلاقات التاريخية بين موسكو وباريس خاصة خلال ذروة الحرب العالمية الثانية، عندما زار زعيم الفرنسيين في المنفى شارل ديجول الاتحاد السوفيتي في 1944؛ لتنسيق جهود البلدين للتخلص من القبضة النازية التي بدأ تراخيها عن البلاد التي احتلتها، بدايةً من خسارة معركة ستالينجراد في السابع والعشرين من يناير 1944.

بعدها تواصل القائدان في الولايات المتحدة لمناقشة شكل المنظمة الدولية المسئولة عن إحلال السلام في العالم بعد أن تضع الحرب أوزارها حتى خرجت الأمم المتحدة بشكلها الحالي، وكان ديجول بعيد النظر في مسألة العلاقات السوفيتية مع أوروبا الغربية، عندما طالب بالحوار مع الاتحاد السوفيتي على قاعدة الصداقة والندية، لا على أساس العداء والتبعية، منتقداً أفكار بعض زعماء الغرب التي صورت السوفييت على الدوام في صورة المتربص بالأوروبيين الدوائر، ورفض الأسلوب الأمريكي الاستفزازي تجاه الاتحاد السوفيتي الذي حول أوروبا لحلبة صراع ترقد على براميل من السلاح النووي.

واستمر رفض الفرنسيين لأسلوب الأمريكيين خلال عهود ميتران وشيراك وحتي خلال عهد ساركوزي، فلا ينسى العالم أن الوساطة الفرنسية بين روسيا وجورجيا صيف 2008 هي التي أوقفت الحرب الضروس بين البلدين، وحفظت الأمن في القوقاز تلك المنطقة الحيوية للمصالح الغربية.

تشكل فرنسا كذلك مع إيطاليا وألمانيا ودول شرق أوروبا والبلقان واحداً من أهم المعتمدين على الغاز الروسي الذي يمثل شريان الحياة الطاقوي لأوروبا خلال شتائها القاسي، وبالرغم من بعض التوترات التي تطرأ على علاقات الجانبين، إلا أنها تمثل الأفضل أوروبياً بعد علاقات روسيا وألمانيا.

أما عن مغزى دعوة ماكرون، فلا يخفى على أحد الرفض الفرنسي التاريخي لهيمنة أمريكا السياسية والاقتصادية على غرب أوروبا، وهو ما تقف فرنسا في صدارة معسكر الرافضين، لما له من تبعات كارثية على الأوروبيين، وهذه هي الدعوة الثالثة خلال ثلاثة أعوام لسيد الإليزيه للأوروبيين؛ للحفاظ على أمنهم بمعزلٍ عن الخطط الأمريكية المتقلبة، والتي لا تضع المصالح الأوروبية في الحسبان.

لكن ما غاب عن تقكير ماكرون أن هذه الدعوة لن ترى النور كسابقاتها، فمن ناحية لن تترك أمريكا غرب أوروبا منطقة نفوذها التقليدية لقمة سائغة للدب الروسي، ومن ناحية ثانية ترفض دول شرق أوروبا التي عانت من نير السيطرة السوفيتية وقوف عدوها الأول معها في الخندق نفسه، وتعتبره يتحين الفرصة لإعادتها لبيت الطاعة، وأخيراً لا توافق عدد من دول الناتو على ضم روسيا لأي نظامٍ أمنيٍ أوروبي، مع اعتبار موسكو للحلف الأطلسي التهديد الأول لأمنها.

لن تتمخض زيارة ماكرون لروسيا عن الكثير في مجال الأمن الأوروبي، وستنتهي على الأغلب باتفاقيات ثنائية بين البلدين؛ لاستحالة تلاقي الشرق والغرب حتى لو جمعتهما المصالح.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق