سياسة وتاريخ

مازال الدرب وعراً

أحيا أبناء بلد المليون شهيد الذكرى الأولى لحراكهم المجيد، الذي أطاح برأس النظام السابق عبد العزيز بو تفليقة، وأعاد الكرة مرة أخرى لملعب الشعب بعد نحو عقدين من سطو المؤسسة العسكرية عليها، وقد كانت الثورة الجزائرية الثانية مفاجأة للداني قبل القاصي، بعدما أفشلت محاولة الدولة العميقة ربيبة الاحتلال الفرنسي في التلاعب بمصير البلد العريق بما يخدم مصالح المحتل السابق ومصالحها.

ظنت دولة الخامس من يوليو 1962 أن بيت الطاعة القمعي الذي أدخلوا الشعب إليه رغم أنفه عام 2001 بموجب قانون منع التظاهر سيء الصيت سيزال قائماً، وكما مرت العهدة الرئاسية الرابعة لبو تفليقة في 2014 ستمر الخامسة في 2019 وربما حتى مماته، بالرغم من إصابته بالشلل بسبب جلطة ألمت به عام 2013، لكن ما راهن عليه العسكريون والطبقة السياسية الفاسدة التي حكمت البلاد بعد العشرية السوداء هو الرضا لفرنسا، فإذا توافر ذلك الأمر فليذهب الثلاثة وأربعون مليون جزائري إلى قعر الجحيم.

لكن انفجار الغضب المكتوم في الثاني والعشرين من فبراير 2019، أفسد كل خطط تطويع الجزائر للفسدة والمستعمرين، وكانت المفاجأة الأكبر من مفاجأة التحرك الشعبي هو النواة الصلبة له، والمتمثلة في شباب الجامعات الذين ولدوا خلال الحرب الأهلية الجزائرية بين 1991 و2001، فكانوا بالنسبة لعسكر السوء كموسى بالنسبة لفرعون رباه في بيته لتكون نهايته على يديه.

استطاع الشباب الغاضب تنظيم مسيرات حاشدة كل جمعة وثلاثاء بدأوها بقلعة الحكم الحصينة في الجزائر العصيمة، متحديين لبطش الأمن والتعتيم الإعلامي، وأخيراً تهديد رئيس الأركان الأسبق أحمد قايد صالح ومواطنه رئيس الوزراء الملقى في السجن حالياً أحمد أبو يحيي أن المصير السوري في انتظار الجزائريين، واتهموا ضمناً القائمين على الحراك بالسعي لإعادة الجزائر لسنوات الدم والبارود في العقد الأخير من القرن العشرين.

لكن كرة الثلج كبرت وضمت المعلمين والمحامين وحتى القضاة المنوط بهم الإشراف على انتخابات الرئاسة الهزلية، وحتى يتسنى الحفاظ على نظام الجنرالات، منحت باريس الضوء الأخضر لصبيانها بالتخلص من بو تفليقة وسجن بعض رموز نظامه وتنظيم انتخابات نزيهة -شكلياً بالطبع- لوضع حد للثورة الشعبية الهادرة.

لكن لم تنطل الخدعة على المتظاهرين، ووجهوا رسالتهم للمحتل السابق بصراحة وجرأة بأن فرنسا لا مكان لها في جزائر اليوم، كما كان الحال منذ انسحابها المزعوم، لكن نجح العسكريون في تنصيب دمية جديدة في ديسمبر 2019، وليفعل المحتجون ما بوسعهم فهذا ما لدينا ومن غير المتاح التنازل أكثر من ذلك.

الديمقراطية الحقيقية النابعة من إرادة الشعب، هي الخوف المزمن لكل من باريس وساكن قصر المرادية وقائد الجيش المسمى زوراً بالشعبي؛ كونها ستمنح الإسلاميين الفوز على طبق من ذهب، فلا زالت تجربة فوز جبهة الإنقاذ الإسلامية ماثلة في أذهان ذلك الثلاثي، وسيبذلون قصارى جهدهم لمنع تكرارها وسيضعون العراقيل الواحدة تلو الأخرى لإفشال هذا الحراك المبارك.

وتكمن عوائق نجاح الحراك في ثلاثة عوامل:

-الأول: دولي يتعلق بفرنسا التي لم تنسَ يوماً أنها المحتل السابق للجزائر، ولشركاتها وساستها على حد سواء مصالح واسعة في الجزائر، أهمها قطاع الطاقة الذي تتصدر شركة توتال قائمة العاملين فيه، بالإضافة لحصول فرنسا سنوياً على ما قيمته تسعة مليارات دولار من الغاز الجزائري دون دفع ثمنه، ولن تقف مكتوفة الأيدي بالطبع تشاهد مصالحها وقد دمرت في جزائر يحكمه أبناؤه.

– الثاني: محلي يتمثل في جنرالات القمح والأرز، وهي تسمية شعبية لقادة الجيش الجزائري كناية عن فسادهم المنتشر في كافة القطاعات المدنية، بعدما أهملوا الجانب العسكري وتفرغوا لقتل الشعب وسجنه بشكل أسوأ من عسكريي مصر وسوريا، وتهريب أموالهم لسويسرا وفرنسا وبعض دول الاتحاد الأوروبي؛ ليتمتعوا بها هم وورثتهم، وقيام حكم ديمقراطي معناه أن يقضي هؤلاء ما بقي من أعمارهم في غياهب السجون.

– الثالث: إقليمي يشمل معسكر الثورات المضادة متمثلاً في نظامي آل نهيان وآل سعود في الخليج، والسيسي في مصر، وحفتر في ليبيا، والذي دفع بقضه وقضيضه لإجهاض التحرر الجزائري الثاني حتى لا تصل رياح الثورة إلى بلادهم وتقتلعهم من عروشهم.

معركة الثوار الجزائريين الحقيقية هي مع هؤلاء، وستكون طويلة الأمد، لكن النصر فيها محسوم إن شاء الله لأصحاب الحق فالباطل زاهق لا محالة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق