ثقافة وفنون

ماذا يعني “الواجب”؟ هل هو إكراه قانوني أم منبع أخلاقي؟

أن تتخلى عن رغباتك في بعض المواقف أمر وارد في كثير من الحالات، قد يكون دافعك وراء هذا التخلي عن رغباتك هو تقديم واجب لشخص ما، أو تقديم واجب مهما اختلف نوعه، إلا أن موضوع الواجب إذا تمت مناقشته من جانب فلسفي، فالآراء ستختلف، حيث إن كل فيلسوف يستمد رأيه من الزاوية التي يرى فيها موضوع الواجب. إذًا، ماذا يعني مصطلح “الواجب”؟

هنا يجب التمييز بين نوعين من الواجب، أولهما الواجب المفروض، حيث هذا النوع من الواجبات محتوم بقوة القوانين الزجرية، إذ ينتج عن مخالفته عقوبات حسب مقتضيات القوانين السارية، أما الواجب الثاني، فهو الواجب الأخلاقي، حيث يتميز هذا الأخير بكونه نابع من الإرادة الإنسانية، والتي يستمدها من القيم والأخلاق.

من الفلاسفة من جعل حسب موقفه الواجب سلطة المجتمع، و”إيميل دور كايم” ضمن هؤلاء، حيث يرى أن الواجب الاجتماعي ماهو إلا سلطة المجتمع، حيث معظم أفعالنا مستمدة من الأخلاق التي أنشأها فينا المجتمع، وبالتالي هو الذي بث فينا حينما عمل على تكويننا أخلاقيًا.

إن كل فرد بالفعل يلتزم بما يمليه عليه مجتمعه أخلاقيًا، إذ نرى مثلًا تصرفات غير مسموح بها في بعض مناطق العالم نظرًا فقط لكونها مكروهة في ذلك المجتمع الذي لايقوم بها، بل حتى القوانين المحلية لبلد معين لانجدها بعيدة كل البعد عن العرف والتقاليد التي يمارسها ذلك المجتمع، وهذا خير دليل على مدى قوة مجتمع معين في التحكم في الجانب الأخلاقي للفرد الواقع تحت نفوذه.

والمجتمع بدوره يستمد السلطة التي يطبقها على أفراده انطلاقًا من العرف المتداول لديه منذ سنين مضت، هذا يتمثل أساسًا في عاداته وتقاليده العريقة التي نجد كل مجتمع يعتز بها ويحافظ عليها، كما أن الدين بدوره يعد المتحكم الأساسي في مسألة السلطة الأخلاقة التي يفرضها مجتمع ما على مكوناته، حيث إن المجتمع يجعل الدين أكبر مقدساته.

لا يختلف “هنري برغسون” كثيرًا عن نظيره الأول، حيث أكد بدوره أن المجتمع هو من يرسم للفرد مناهج حياته اليومية، بالتالي لايخضع الفرد إلا ﻷوامر المجتمع، ولا يمارس إلا الواجبات الموافقة لقوانينه، فبالنسبة لهنري؛ فالمجتمع رسم لنا الطريق، بمعنى أنه ليس لنا في أن نبذل شيئًا من الجهد لمعرفة ماسنقوم به من واجبات لكون ذلك مرسوم من لدن المجتمع.

فما لنا إذًا سوى تطبيق مايمليه علينا المجتمع من قوانينه واتباعها، لكن لا يجب أن يؤدي بنا هذا إلى أخلاق منغلقة، وهذا مايتميز به موقف “برغسون”، حيث دعا إلى وجوب تبني الأخلاق المنفتحة من خلال الارتباط بالمجتمع المفتوح الذي هو الإنسانية بكاملها.

خلاصة القول، أصبح لدينا إجابة على سؤال “ماذا يعني مصطلح الواجب؟” وهو أن الفرق بين الواجب القانوني والواجب الأخلاقي واضح، إذ أن الواجب القانوني حتمي ومفروض، سواء كان بإرادة الفرد أو دون ذلك، وهذا الذي يجعل الفرد مكرها من هذا الجانب، إلا أن الواجب المستمد من الجانب الأخلاقي عكس ذلك، حيث إنه نابع من الإرادة الكاملة والداخلية النابعة من الجانب الأخلاقي للفرد بمحض إرادته، والواجب في كل الحالات سواء كان بموجب القانون أو بإسم الضمير الأخلاقي، فإنه يظل محببًا، ولا يمكن إلا أن يحقق المصلحة والعدالة الاجتماعية لصالح الجميع.

 

قد يهمك أيضًا : نظرة متعمقة على مفهوم الحرية.. الحرية بين المطلقة والخاضعة لحتميات

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق