مدونات

ماذا لو انتهى العالم غدًا؟: «أيتها الأحزان القادمة أنا غير موجود»

في الآونة الأخيرة انتابني الكثير من الأسئلة التي لم أستطع الإجابة عنها، ولكن هناك سؤال لم أستطع حتى أن أعرف أهو صعب حقًا أم أسهلهم على الإطلاق، ولذلك دعني أفكر معك بصوت دويّ، ماذا لو انتهى العالم غدًا؟

أعتقد أنني سأبدأ اليوم الأخير لي في الحياة بالمشي وحدي في شوراع منطقتي المفضلة —الزمالك— ملتقطًا الصور الفوتوغرافية. سأذهب إلى معرض لوحات بيكاسو بشارع البرازيل، مرورًا بقصر عائشة فهمي لأودعه شاكرًا إياه على كونه خير صديق.

سأذهب لأرى ابتسامة أخيرة من العم عاطف بائع الزهور بجانب ساقية الصاوي، ثم أبتاع منه وردة عباد الشمس، وأمررها لإحدى الفتيات بالشارع. وفي طريق عودتي سأنصح السيدة التي تبيع الكتب والروايات على الرصيف بسعر مضاعف بالتوبة، ثم أبتاع منها آخر روايات الكاتب أحمد خالد توفيق التي لطالما أجَّلت قراءتها بسعرها الأصلي، سأقرأ منها المقدمة فقط وأخبره أنني قادم إليه، لطالما تمنيت ذلك.

سأصلِّي الظهر بمسجد الحاكم بأمر الله في مصر القديمة، وأودِّع مجمع الأديان بجولة أخيرة، أشاهد فيها الناس يتضرعون إلى الله باختلاف معتقداتهم. سأعود سريعًا مهاتفًا أصدقائي الذين أحبهم. سأطلب منهم ساعةً واحدة فقط خلال اليوم، لنفطر معًا ساندويتشات طعمية وبابا غنوج من “شيخ البلد“ بالعباسية، لنخرج بعدها معًا نرقص ونغني ونتنمر على المارة، وبعدها سأعانقهم جميعًا وأبكي على كتف صديقي المفضل مخبرًا إياه أنني لطالما كنت أحبه، ولكنه للأسف لم ينتبه إلا لحبه فقط.

ثم أعود للنيل أخبره أنني للمرة الأولى آتي إليه دون هم أشكيه، وأشكره على سماعي بالماضي، ثم أدخل دار الأوبرا من ناحية المكتبة الموسيقية بسلام هذه المرة، سأسير نحو قاعة “صلاح طاهر”، وبعدها إلى المسرح الكبير للمرة الأولى بدون البدلة، وقبل أن أرحل سوف أحتسي قهوتي بجانب مسرح الهناجر وأنا أكتب مقالتي الأخيرة.

أعتقد أنني لن أؤذي أحدًا في يومه الأخير. بل سأراسل صديقتي السابقة وأشكرها على أذيتها لي، سأخبرها أنني بسببها أصبحت أفضل. وبعدها سأراسل فتاة المقهى التي لطالما رأيتها وحيدة حزينة، لن أتردد هذه المرة في إخبارها أنها جميلة، ربما سأخبرها أيضًا أنني أحبها في نهاية المحادثة. ثم أعود إلى بلدتي أخبر جيراني أننا والله لا نتخصص في كلية الطب إلا بعد التخرج.

سأصعد إلى منزلي، أعانق أسرتي، أشكر أمي وأبي على كل ما قدماه من أجلي، سأحتضن أختي التي لطالما أحببتها وأخي الذي أفتخر به دومًا. سأخبرهم أنني حقًا سعيد لأننا سنختفي سويًا ولن يبكي أحدنا على فراق الآخر، وبالتأكيد سنقضي الليل في التقرب أكثر إلى الله. سأصلِّي وأستغفر وكأنها المرة الأولى، سأبكي وأطيل السجود. سأخبره أنني لطالما كنت أحبه ولطالما كانت روحي تؤمن بوجوده في كل شيء.

ربما مر شهر على آخر مرة خرجت فيها من المنزل، ولكنني رغم ذلك شاهدت حفلات الفنانين المفضلين بالنسبة لي، غير حفل “باليه بحيرة البجع مع موسيقى تشايكوڤيسكي“ التي لطالما كان باهظ الثمن لأحضره بالأوبرا، بحثت كثيرًا وقرأت أكثر، وربما تكون أكثر الفترات التي كتبت بها في حياتي، وللمرة الأولى وأنا ناضج أظل مع أهلى لفترة كبيرة دون سفر، وهذا يفسر أكلي الذي أصبح صحيًّا أكثر، ناهيك عن أنني تخلصت من الكثير من عاداتي السيئة. اترك حاجتك للخروج خلفك قليلًا وتساءل معي، أي شيء أفضل من ذلك بحق؟

في ظروف أخرى ومع أناس آخرين بالتأكيد ستختلف إجابتي، ولكنني فقط أفترض أنها غدًا. في الحقيقة لا أعرف لم لا أفعل هذا كله الآن، ربما لا أثق بالناس أو في ردة فعلهم، أو ربما فقط لست قويًا كفايةً كي أخبرهم بهذا كله. لا أعرف، ولكنني أعرف أنه سيأتي يوم وأنا لست هنا، ولطالما تمنيت أن أظل حيًا، وتحديدًا بعد أن أموت. ماذا عنك؟ ماذا لو انتهى العالم غدًا؟

اقرأ أيضًا: في عالم ما بعد كورونا: المستبدون سيجعلون حياتك أكثر رعبًا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد ياسر عامر

طالب بكلية طب عين شمس، أهتم بالفنون والآداب، كما أؤمن بأن العلم هو الطريق الوحيد نحو التغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق