منوعات

ماذا عن المؤثرين في وسائط التواصل الاجتماعي؟

مع حلول ثقافة الاستهلاك والجهل، بات الارتباط وثيقاً بين فئة الناشئين أي الشباب وفئة المؤثرين في وسائط التواصل الإجتماعي. إذ أن ذلك المحتوى الخاص بالمؤثرين يفرض نفسه على ذوق وعقول الشباب. وهنا تكمن مشكلة هذا الإرتباط المبني على فكرة التبعية العمياء، من دون أي تبصر أو تمييز والأغلب أنه لا يوحي إلا بالسلبية التامة في حال الإفراط في التعامل مع هذه الظاهرة الإلكترونية. كيف يتم ذلك وكيف على تلك الفئة الشابة أخذ الحيطة والحذر من عواقب التبعية في عالم ينقصه المغزى الثقافي والتوعوي.

من هم المؤثرون؟

المؤثرون هم أشخاص يبنون سمعة لمعرفتهم وخبرتهم، فيعرضون منشوراتهم الخاصة بموضوع أو مادة معينة على حساباتهم المتنوعة في السوشيال ميديا بهدف توليد أكبر عدد من المتابعين والحصول على مشاركة واهتمام منهم. فيصبح للمؤثرين سلطة التأثير على قرارات الشراء بسبب نفوذ معرفتهم وموقعهم وعلاقتهم بالجمهور. ومن هنا تتبلور العلاقة بين المؤثرين وأصحاب الماركات الوطنية والعالمية الذين يسعون للإستفادة من مساهمة المؤثرين في تحقيق أهدافهم الاستهلاكية.

يصنّف المؤثرون وفقاً لأربعة فئات؛ الفئة الأولى تشمل المشاهير أي الممثلين والموسيقيين ونجوم الرياضة والفن. الفئة الثانية تُعنى بالقائمين على ألعاب الإنترنت أي مستخدمي اليوتيوب الذين يسوّقون لحساباتهم من خلال بث عروض خاصة بالألعاب الإلكترونية. والفئة الثالثة هي فئة المدّونين وهم أشخاص عاديون قاموا بعرض يومياتهم واهتماماتهم وسجلوا مشاهدات ومتابعات جذبت الماركات وشجعت على الإستفادة منهم ومن عدد متابعيهم. وأخيراً لدينا فئة خبراء السوق وأصحاب المشاريع الكبرى والمنتجات والخدمات كرائدي الأعمال في آبل وسامسونج إلخ.

المشكلة إذاً التي يواجهها حالياً الناشئون هي سهولة الوقوع في فخ المؤثرين الجذاب والتداخل بشكل أعمى. فلا إمكانية للخروج منه اذا ما تم التحلّي بالوعي ومعرفة القيم الضرورية. هناك حقيقة علمية تشير بحاجة الإنسان إلى أن يتفاعل اجتماعياً مع بيئته خاصة أنه لا يمكنه العيش بمفرده. على غرار ذلك إن تلك الفئة المغلوبة على أمرها تتفاعل بشكل يفوق الصواب. تقول الإحصائيات أن 94 % من مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط وأفريقيا هم من مستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي و38 % منهم تتراوح أعمارهم بين ال 16 وال 24 عاماً. كما أنّ 95 % من مراهقي الولايات المتحدة يحملون هواتف ذكية و91 % من مراهقي بريطانيا يستخدمون الإنترنت للتواصل الإجتماعي. فيما أن مراهقي الإمارات والسعودية مثلاً يشكلون 70 % من المجموع الكليّ لمستخدمي السوشيال ميديا.

ماذا يحصل على أرض الواقع في ظل ثقافة الاستهلاك والتجاهل؟

يقوم رواد الأعمال أولاً بتقديم الفرصة للمؤثرين للبدء بعملية التسويق من طعام وموضة وجمال وأساليب حياة وتوصيات ونصائح عدة. وبالتالي يزيد ذلك من فرص تحسين مبيعاتهم والحصول على أكبر عدد من المستهلكين. بعدها يقوم المؤثرون بالتواصل مع جمهورهم وخلق نوع من الإتصال العاطفي وجذبهم لشراء المنتجات. فيستجيب الجمهور؛ ينجر الشباب وارئهم ويصدرون قرارات غير اعتيادية بحماسية متفلتة. وبالتالي يعطون الفرصة لهؤلاء المؤثرين ليسطعوا ويتألقوا ويُحكموا السيطرة على أذواق الشباب كونهم يشكلون مادة خصبة للتأثير وتحقيق الأهداف. والمقصود بذلك أي بالمادة الخصبة أنه ينقصهم الوعي المطلوب لتدارك الأزمات، والبعض لديهم مشاكل نفسية معينة، ومنهم من ليس لديه سيطرة ذاتية أو حتى سيطرة من قبل ذوي أمورهم. والنسبة الأكبر منهم ليس لديهم أية خلفية أو تنوير مسبق عن عمليات التأثير تلك.

يقتضي موضوعنا بعرض النتائج الحادة من جراء تلك السيطرة النافذة من قبل المؤثرين: فما الذي سيحلّ بهؤلاء الشباب الناشئ؟ سيعاني هؤلاء الشباب من الإكتئاب والقلق بسبب تملّك المؤثرين لطرق تصرّفهم. فبدلاً من بحث الشباب عن طرق لحفظ وتأمين صحة نفسية جيدة للدراسة أواستخدام الوقت الصحيح، سيجدون أنفسهم يتكبدون مخاطر تضييع الوقت والتعرض للإضطرابات العاطفية ومشاكل نفسية أخرى. سيصلون إلى مرحلة رفض لواقعهم والشعور بالحزن والغيرة حتى من المؤثرين لسبب امتلاكهم الذهب والماركات العالمية وأشياء ثمينة تضاهي إمكانياتهم. ببطئ سيشعرون بنوع من عدم احترام النفس: سيقارنون أنفسهم بشخصياتهم المفضلة مثلاً كيندل عارضة الأزياء العالمية أو النجم الرياضي كريستيانو رونالدو، وسيسعون للحصول على أجساد مثيرة كأجسادهم. من الطبيعي أن نميّز شخصية ما ونجعلها قدوة لتصرفاتنا ولكن ليس بما لا يتوافق مع كرامة الذات واحترامها.

وهنا تظهر إحدى أسوأ النتائج المنهكة عن متابعة المؤثرين عشوائياً ألا وهي اتخاذ خيارات خاطئة مبنية على هاجس الصورة. مثلاً اذا قام الممثل روك بعرض عضلاته الفاتنة سيقوم نسبة كبيرة من الشباب بشراء منتج البروتين ليحصلوا على عضلات كعضلاته من دون مراعاة خطورة ذلك على صحتهم. مثال آخر قد تعرض شهيرات الموضة والجمال كيم كاردشيان أو جويل ماردينيان مثلاً منتجات أو عمليات تجميل قد أجريناها أو أماكن ترفيهية قمن بزيارتها، في وقت الكثير من الشابات ستقمن بتقليدهن والقيام بعمليات جراحية كتكبير الشفاه أو رفع الحواجب وشراء منتجات تجميل إلخ. غير أن السؤال الذي قد نسأله هو هل باستطاعتهن تأمين تكاليف هذه الخدمات؟

إضافة إلى ما سبق نرى أنه تتحول مواكبة هذا العالم المفتوح عند البعض إلى عادة سيئة أي إدمان بمعنى حقيقي يؤدي إلى الحرمان من النوم وانتكاس الصحة تدريجياً؛ تصفّح الإنترنت والحسابات والتعليق والشراء والتعاطف والرد، كلّها عمليات تضّيع أثمن الوقت بحيث يصبح رواد المتابعة حريصين على متابعة كل جديد من بوستات أو قصص يومية فيُقلقون نومهم لسبب تحقيق ملاذهم.

في ظل هذا التخابط الإلكتروني، يقع على عاتق صناع المستقبل الإستثمار بالنوعية: تتعدد الخيارات وتكثر القرارات والأهم من ذلك كله التنبه لحال الواقع. يقول أيمن الصومالي وهو مسؤول تسويق إعلامي من السعودية أنه يبقى علينا حماية من نحبّ وتوعيتهم من مخاطر تأثير المؤثرين التي تطغى عليهم سلبياً. هنا تكمن أهمية تصنيف المؤثرين وفقاً للقيم. نُعيراهتماماً كبيراً بالمؤثرين الماديين الذين لا يأبهون سوى لسيولتهم وقبض شيكات وفيرة في وقت هناك من يرّوج لقيم ضرورية لبناء الإنسان كالمواطنية والتسامح والمساواة والسلام، هؤلاء هم أصحاب الفكر وحافظي الهوية. هؤلاء يستحقون الحماس والمتابعة. فمتى تكفّون عن الانحدار بعيداً عن إنسانيتكم!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

دارين الصايغ وزير

كاتبة من لبنان حاصلة على بكالوريوس الإعلام المرئي والمسموع، مهتمة بالصحافة والكتابة الروائية.
زر الذهاب إلى الأعلى