مدونات

ماء زمزم حقيقة أم خرافة؟ قراءة تحليلية نقدية بين التاريخ والنص

مدخل:

التاريخ خبر ، والخبر يحتمل الصدق والكذب ، فالصدوق قد يكذب ، والكذوب قد يصدق. وهذه العين قد تريك السراب شرابا، والأذن قد تسمعك الخطأ صوابا. وهذا ما أكده نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى بقوله ” كل ابن آدم خطاء. والكل في هذا النص بمعنى الكلية ، من باب قوله تعالى ” كل نفس ذايقة الموت” . فلو لم تكن الرسل مرسلين من الأعلى ، لنطقوا بغير الصواب ، لأن ذلك من لوازم البشرية . وعليه؛ فهم يُخْطؤون ولكنهم لا يَخْطَؤون .

إن التاريخ القديم كان مبنيا على النقل الشفهي ، ثم تم ترجم ذلك تحريريا. فلم تكن الكتابة منتشرة حتى عند نزول القرآن. فعملية التدوين عملية متأخرة جدا.. وهذا التأخير إلى ظهور المذاهب أثر بقوة على أدبية التاريخ عامة ، والإسلامي خاصة. فالتاريخ السني للأحداث لن يكون كالتاريخ الشيعي أو الإباضي . لأن الأمر متشعشع بين الدين والسياسة.

والسؤال الذي يطرح نفسه دوما ونحن نتصفح دفتي الكتب التاريخية ، من كتب التاريخ أولا؟ ومتى كتب ؟ ولماذا تأخر تدين التاريخ؟ أو بالأحرى تدوين السيرة النبوية؟  وهل كل ما روي لنا صحيح فعلا رغم التناقضات المتضاربة ؟ وهل يجب علينا -ونحن نستمتع بقراءة تاريخ الماضين- الإيمان المطلق بكل ما ورد فيه؟ علما بأن التاريخ عمل بشري محض ، -وليس قرآنا منزلا من السماء -، ينبغي أن ينظر إليه كما ينظر إلى الروايات التي قد تحتوي على قصص حقيقية حينا ، وخيالية طورا.  وهذا ما يؤكده العراقي في ألفيته بقوله :

فليعلم الطالب أن السيرا         تجمع ما صح وما قد انكرا…

وهنا يأتي دور القراءة المتأنية الموضوعية لمساعدة المتلقي للخروج بنتيجة علمية تبدو قريبة إلى الإقناع، بعيدا كل البعد عن العاطفية والقدسية. فالذي يقرأ التراث باعتبارها حقيقة مسلمة كما يفعلها الباحث المتمذهب ، فإنه سيتقبلها بلا جدال، وهذا يعوق التقدم للبحث العلمي .

يجب قراءة التراث قراءة نقدية منطلقا من فرضيات تحليل الخطاب.

فكتابة التاريخ مختلف تماما عن كتابة باقي العلوم الشرعية، فالتاريخ لم يخضع عند كتابته للمعايير العلمية التي خضعت له باقي العلوم الدينية. وهذا ما يفسر لنا الهجوم الشرس بين المحدثين والمؤرخين، لأن المحديثين كانوا يرون تساهلا كبيرا لدى المؤرخين في نقل الأخبار ، خاصة في السير النبوية.

إن مشكلة المسلمين يكمن في تقديس التراث، ما دفع بالكثير من الدعاة إلى محاربة كل محاوبة تسعى لإعادة النظر في كتب التاريخ ، بما في ذلك السيرة النبوية التي اختلط فيها النابل بالوابل، وصار كل من يأتي باجتهاد فكري يتهم بالعلمانية أو بالمارق عن الإسلام ، كما حدث ذلك مع طه حسين في كتابه ” على هامش السيرة . وأحمد أمين في كتابه “ضحى الإسلام” ،  وخليل عبد الكريم في “شدو الربابة بأحوال محتمع الصحابة” . الحق أن كتب السير أضافت إلى حياة النبي ما لا يصدقه العقل البشري. لا أظننا بحاجة إلى خلق قصة الغار والحمام والعنكبوت لإثبات نبوية النبي صلى الله عليه وسلم . كما أننا لسنا مضطرين لخلق قصة بكاء الجذع أو حديث الضب بين يديه أو إكثار الطعام والشراب من أجل التصديق برسالته. ومالذي نستفيد من قصة الإسراء سواء كانت رؤية أو حقيقة حتى نكفر بعضنا بعضا؟ .  رغم أن القرآن لم يذكر أي معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لإثبات رسالته غير القرآن، وكفى به معجزة . فلولا كتب السيرة وخرافاتها لبقي التاريخ الإسلامي أقرب إلى التصديق العقلي من أي تاريخ. تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن العوارض البشرية مخالف للمنهج القرآني الذي قدمه لنا بأنه بشر.

فلا حل أمام هذه المعضلة الفكرية إلا إفساح المجال للعقل، لأن العقل الصحيح لا تناقض النقل. فأيما نقل خالف العقل فهو رد.

قصة انفجار ماء زمزم – قراءة في البعد التاريخي

يعد ماء زمزم من أشهر المياه، وأقدسها لدى المسلمين لما نقل في فضله بعض النصوص المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعض القصص عن الأعلام من الفقهاء. تعود قصة زمزم إلى زمن سيدنا إبراهيم حينما هاجر مع زوجته هاجر وولدها. كان لإبراهيم زوجة تسمى سارة ، وهي كما قال ابن كثير في قصص الأنبياء كانت عاقرا لا تلد.  ثم تزوج إبراهيم بهاجر – وكانت جارية لزوجته سارة-  وهبها لها ملك مصر بعد أن عجز أن يمسها بسوء.  فلما بنى بها سيدنا إبراهيم حملت وأنجبت ، وغارت منها سارة وأمرت أن تغيب عن وجهها.. قال العلامة البدوي في عمود النسب:

وأجلتِ الحرة هاجر إلى    بقعة بيت الله إذ هي خلا…

فدل جبريل عليها الظاعنين  واستترزق الخليل رب العالمين

خرج بها إبراهيم ورضيعها إسماعيل إلى مكة وهي خلاء… فلما ولى ظهره قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا هاهنا ؟ فلما ألحت عليه قالت: الله آمرك بهذا ؟ قال نعم، فقالت إذن لن يضيعنا الله. فدعا إبراهيم  ” ربنا إني أسكنتُ من ذريتي بواد غير ذي زرع.. الآية..

فلما نفذ الماء والطعام  لم يكن هناك بد من السعي من أجل الطفل، وبقلب الأم الحنون اتخذت  تسعى بين الصفا والمروة عسى أن ترى ما يبقيها وابنها على قيد الحياة ، وفجأة سمعت صوت بكاء الولد ، فلما رجعت إذا بماء يتفجر ، فقالت زمزم : أي قليلا قليلا. هكذا روي عن ابن عباس وغيره عند تفسيرالآية. وهناك بعض الروايات مطولة ولكنها جميعا متقاربة في المعنى….

هكذا يقيا يعيشان على الماء فقط حتى ساكنهم العمالق ، ولما بغوا سلط الله عليهم قبيلة جُرْهم  وسيدهم مضاض الأكبر، وبعد لأْي بغى جرهم ، فقيض الله عليهم جلاء اليمن بسيل العرم ، وأخرجهم منها خراعة بعد أن نزلوا عليهم، اقتتلوا فأعان الله خزاعة على جُرهم بالأمراض والنمل حتى هزموهم ، ثم رجعت جرهم إلى ديارهم باليمن فأقاموا بها حتى هلكوا . أشار إلى هذه القصة العلامة البدوي في عمود النسب بقوله:

أول من ساكنها العمالق      وإذ بغى في الحرم الزنادق

أخرجهم منها مضاض الجرهم    وإذ إلى مكة سيل العرم

أجلى خراعة وضنت جرهم     بأن يقـــــيم ســــبأ معـــهمُ

بقــدر ما ينتـــجـعون شــردا     بــجرهم خـــراعة وكـل دا.

وبعد بغي جرهم  غيض ماء زمزم ، وأهملت وخفت معالمه ، غيض أو دمرته جرهم، وألقت فيه هدايا الحرم ومحوه لما هموا بالرحيل، ولم يزل مجهول المكان عند خزاعة ومن بعدهم من قريش إلى عبد المطلب . قيل بقيت غفلا بعد جُرْهُم زهاء خمسمائة سنة لا يعرف مكانه، حتى أتى آت إلى عبد المطلب يقول له ” إذهب إلى قرية النمل ونقر الغراب الأعصم بين الفرث والدم فاحفر تجد زمزما . قال العلامة البدوي:

وغيض زمزم لبغي جرهم      وخبووا فيه هدايا الحرم

ليلا إذ ازمعوا الجلا وطمسوا   ولم يزل غفلا لدى من آلفوا

ودل شيبة علـــيه بالدم           والفرث والنمل ونقر الأعصم.

بقي مكان زمزم مجهولا حتى أعاد حفره شيبة بسبب رؤياه التي دلت عليه وعينت له موضعه. جعل شيبة الحمد يحفره ثلاثة أيام ، فلما بدى له الطي كبر ، وقال هذا طي إسماعيل ، فقامت إليه قريش فقالوا إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا فيها فأبى، فقال عدي بن نوفل : يا عبد المطلب : تستطيل عليها وأنت فذ لا ملك لك ؟ ولم يكن له يومئذ ولد إلا الحارث. فقال له : أبا القلة تعيرني والله لإن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة . فكان العاشر والد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما هم بنحره ، منعه قومه ففدي بمائة إبل . لذلك سمي النبي بابن الذبيحين . إسماعيل الذي هم إبراهيم بذبحه . ووالده عبدالله.

أشار إلى ذلك العلامة المغربي عبد العزيز في قرة الأبصار بقوله:

وشيبة إذ بئر زمزم حفر      همتْ بمنعه قـــريش فنذر

إن جاءه من البنين عشرة     يحمونه من البغاة الفجرة

لينحرن واحدا تقربا        به فلما رام نحره أبى

منه قريش فمضى لخيبرا  مستأمرا كاهنها فأمرا

أن استهم عليه والآبالي  فإن عليه خرجت في الحال

هذه هي قصة انفجار عين زمزم ، كما ذكرها جل المفسرين ، والمؤرخين ، مثل قرطبي والسعدي وابن كثير والبغوي وغيرهم.

ولنا مع هذه القصة عدة وقفات :

الأولى :  وفقا للمراجع التاريخية الإسلامية فإن بئر زمزم تفجر لنبع ماء لسارة حين ظمأ ابنها ، ولكن كيف يغني الماء غناء الطعام ، قد يحدث ذلك في بعضة أيام ، ولكن شهورا ؟ سنين ؟ كانت سارة زوجة في ذمة سيدنا إبراهيم حين تركها في الخلاء ، أليس من المنطق جدا أن إبراهيم كان يزورها ويزودها من الطعام والشراب؟ حتى لو كانت مطلقة منه أليس من حق الولد الصغير على الأب الاطمئنان عليه خاصة وقد تركه في قلب الصحراء؟ لم يرد في أي مصدر إسلامي ما يشير إلى أن إبراهيم طلق زوجته حين تركها في الصحراء، فمالذي يمنعه من زيارتها وهي في الغربة ؟ ألا يعد ذلك ظلما ؟ والأنبياء من أعدل الناس ، فكيف يعقل أن يترك خليل الرحمن زوجته في الصحراء دون الاعتناء بهم . ما يؤكد لي بأن سيدنا إبراهيم كان يزور أهله في الصحراء ؛ قصته المعروفة مع زوجة ابنه إسماعيل ، ومن المشهور أن إسماعيل تزوج من قبيلة جرهم ، ثم طلقها حين أمره إبراهيم بتغيير عتبة بابه . وهذا يجعلني أتردد أصلا في قصة انفجار زمزم ، لأن إبراهيم كان يزود أهله  ويزودهم بكل يحتاج إليه في غربتهم .. وهناك حقيقة أخرى ، وهي أن سارة هي التي أمرت  إبراهيم بأن يغيب زوجته عن وجهها حين علمت بحملها . فإبراهيم لم يبعدها عن غضب ، بل لسلامتها وسلامة ابنها ، فهل يتركهما في الصحراء كالإبل الأجرب؟.

الثانية : باتفاق المؤرخين فإن ماء زمزم غيض ماؤه زهاء عدة سنوات ، ثم أعاد حفرها عبد الله لرويا أتته ثلاث مرات، وأصبح يسقي به الحجاج.

والسؤال الذي يطرح نفسه : كيف كان أهل مكة يسقون الحجاج حين غيض زمزم ؟ ألا يعني ذلك وجود بئر ما ؟ أو نهر صغير أجراه أهل مكة لسقاية الحجاج ؟ أم أن الحجاج كانوا يحملون ميائهم معهم؟

الثالثة:  إن قوله تعالى : “ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي روع : فالوادي هو المكان المنخفض . وقال البغوي: ” بواد غير ذي زرع ” مكة ، لأن مكة واد بين جبلين” . وانطلاقا من هذه الآية فإن  إبراهيم ترك ذريته بواد غير صالح للزواعة، ومن المعلوم بأن مياه الوادي لا تمتلأ إلا بعد نزول الأمطار ، والمطر لا ينزل في مكة إلا نادرا.

الرابعة : جميع الرواية الواردة في شأن انفجار قصة زمزم من مرويات ابن عباس ، فعنه روى المفسرون والمؤرخون. شخصية ابن عباس شكل مشاكل كثيرة لدى الباحثين ، ويكمن الإشكال في سنه وفي المرويات المنتسبة إليه ، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير لم يبلغ الحلم ، ومن المعروف لدى أهل الحديث أن العدالة شرط لصحة الرواية وقبولها ، والمقصود بها الضبط ، وبهذا لا تصح رواية من دون الحلم. وقد اختلف العلماء في هذا الصدد كثيرا .  اختصره العرافي في ألفيته بقوله

وقبلوا من مسلم تحملا     في كفرهه كذا صبي حملا

ثم روى بعد البلوغ ومنع     قوم هنا ورد كالسبطين مع

إحضار أهل العلم للصبيان ثم      قبولهم ما حدثوا بعد الحلم.

والغريب أن يعد ابن عباس من كبار الرواة في التاريخ الإسلامي ، وتقبل مروياته بنوع من القداسة، ثم نجد العلماء يختلفوا في قبول رواية الصبي. وهذا الخلاف مما يجعل روايات ابن عباس سواء في التفسير والفقه والتاريخ محل إشكال كبير . والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بكل شجاعة من طرف الأقلام النهضة الفكرية المعاصرة : كيف يمكن لصبي أن يحفظ كل هذه المرويات ؟ -والصبي صبي ولو كان نبيا- كما يقال في الحكايات الشعبية الافريقية .

ومن أجل التخلص من هذا السؤال الحرج ، أطلق عليه المدافعون لقب” الحبر” وهو في الأصل ليس مصطلحا إسلاميا على الإطلاق . الراوي الأساسي لهذه القصة هو ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ربنا إني أسكنت” الآية .. وهي في سورة البقرة التي هي مدنية باتفاق العلماء ، وابن عباس بكل تأكيد كان صبيا صغيرا أثناء نزول هذه الآية. وربما يقول البعض بأن ابن عباس نقل الخبر عن كبار الصحابة لما بلغ الحلم ، غير أن السند يفند هذا التبيرير الذي  يذهب إليه المدافعون ، لأن صيغة السند جاءت عن ابن عباس ثم مباشرة الخبر.

وهذا التبيرير هو ما دفع البعض إلى نسبة الفضائل لابن عباس أشهرها الحديث الموضوع حين مر النبي بابن عباس مسح على رأسه فقال: الله فقه في الدين.

النصوص الواردة في فضل زمزم – قراءة نقدية

ظل ماء زمزم بعد حفر عبد المطلب، وفي العصر الجاهلي مجرد ماء لسقاية الحجاج ، فكانوا يشربونه كما يشربون باقي المياه ، لم يروى عن أحد – من حكماء العرب بأنه أوصى بالتداوي به .

حتى أثناء  نزول الوحي ، لم يذكر القرآن شيئا عن الماء. وفي الصدر الإسلامي لم نسمع بأن فقراء الصحابة ، -خاصة أهل الصفة-  كانوا يستغنون بشرب زمزم عن الطعام أيام الشدة. مأخرا جدا، وفي العصر الأموي تظافرت نصوص كثيرة حول فضل زمزم . نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر :

” ماء زمزم لما شرب له”

“إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بماء زمزم ” ” خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم طعام من الطعم وشفاء من السقم” ..

“إن رسول الله لما ذكر له  زمزم قال : إنها مباركة إنها طعام طعم في لفظ  وشفاء سقم” …

عندما نمعن النظر في هذه النصوص وما شابهها تدرك يقينا بأنها موضوعة ومكذوبة على الذي لا ينطق عن الهوى.. فالماء لا يغني غناء الطعام حتى إذا عقم بأعلى أنواع فيتامين . فلو كان زمزم يغني غناء الطعام لما جاع أهل الصفة . ولما وقف أبو هريرة في طريق أبي بكر وعمر والنبي صلى الله عليه وسلم متسولا. ولما عمل علي ابن أبي طالب خادما من أجل لقمة عيشه.

لو كان زمزم لما شرب له ، أو يغني غناء الطعام لأمر عمر الصحابة بشربه في عام المجاعة .

لو كان ماء زمزم معجزة لما غيض أو طمسته قبيلة جرهم قرابة خمسمائة عام ،  ولأعاد حفره النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه لا جده عبدالمطلب فهو لم يكن نبيا، فقد كان على دين أهل مكة ، والمعجزة للأنبياء فقط .

ولو كان زمزم يشفي لتعالج به الصحابة جيلا عن جيل ، ولوصل إلينا ذلك متواترا ، فالنصوص الواردة في فضل زمزم كلها آحاد .

حتى لو صح أن النبي صلى الله عليه وسلم- هو من قال بأن زمزم لما شرب له ، فليس في ذلك ما يدل على معجزة هذا الماء ، أو على خصوصيته أو أفضليته .

خلاصة القول :

إن ما يعرف اليوم بماء زمزم ، ليس إلا مجرد ماء بئر أجرتها أل السعود لسقاية الحجاج ، أو نهر قديم حفرته قبيلة خزاعة حين طمست قبيلة جرهم بئر زمزم قبل رحيلها.

ظل أهل مكة قبل الإسلام يشربون بئر زمزم دون التبرك به وهم في جاهليتهم، ولم نسمع -ولو بيت شعر- لقبيلة جاهلية تسرد لهذه البئر الخوارق والخرافات ، علما بأن أهل الجاهلية كانوا يعيش في عالم مليء بالخرافات ونعلم جميعا أن أهل الجاهلية كانوا يمجدون الكعبة الحرام قبل الإسلام ويحجون إليها ، فلماذا لم نسمع ولو في الحكايات الشعبية السعودية عن معجزة ماء زمزم؟

لماذا تقوم الدولة السعودية بتعقيم زمزم ، فلو كان زمزم معجزة لصارت معقمة بطريقة طبيعية. ولكن الدولة تدفع مبالغ ضخمة لتعقيم زمزم حرصا على أن يكون عذبا صالحا للشرب.

منذ انفجار بئر زمزم وأهل مكة يشربونه، وإلى يومنا هذا لم نسمع عن أي اختراع سعودي ، فلو كان ماء زمزم لما شرب له ، لصار كل الإنتاجات العصرية سعودية . ومن المعلوم أن السعودية لم تقدم أي شي جديد للعالم ؛ حتى في المجالات الشرعية فليس لها قصب السبق فيها .

لو كان ماء زمزم يزيد في الفهم وينمي العلم ، ويشفي السقام ، لشدت الرحال إلى المملكة لهذه الأغراض ، ولما تناحم أبنائها في الجامعات الامريكية والبرطانية والغربية. فهذه القصة تذكرني بالقصص الشعبية التي ترويها الجدات في افريقيا عن بعض الأنهار التي يقال بأنها لا تحب الضيف ، وفعلا قد يموت بعض الضيوف عندما يخوضوا في هذه الأنهار . فهذه الخرافات موجودة في كل الشعوب قديما و حديثا، ولكنها لا تعد أنها مجرد خرافة أو حكاية مسلية ترويها جدات للأحفاد .

لماذا لم تقم الدولة السعودية بأبحاث عليمية معتمدة تثبت بأن زمزم شفاء لكل الأسقام؟. كلما نسمع هي صراخات منبرية لبعض أصحاب العمائم الذين لا صلة بالعلم ، ولا يجيدون غير النقل ، يقولون : بأن باحثا في جامعية امريكية أو برطانية أكد بأن زمزم ماء بركة ، وفيه كذا وكذا ، والغريب أنك لن تجد أي معلومات شافية عن ذلك الطالب ولا عن تلك الجامعات ، ولا متى تمت الدراسة ؟ ومن هو رئيس فرقة البحث؟ وفي أي مجلة نشرت ، فقط مجرد نفخ الهواء في الهوا . ولماذا لا تقوم الجامعات السعودية بهذه المهمة وخاصة أنها ترعرعت على شرب هذا الماء المبارك؟

نحن الآن في عصر الثورة العلمية ، فمن غير المنطق أن تسرد لنا ما قاله ابن القيم والسيوطي وابن فلان وفلان بأنهم شربوا زمزم على نية العلم فنالوا بغياهم .. أظن بأن مخترعي الطائرات والسيارات وآلات الحرب لو كانوا من السعودية لعلقوا السبب بشرب زمزم على نية الاختراع.

آه نسيت، لقد ذكر مارك زوكربيرغ – مخترع فسبوك- في مؤتمر صحفي عالمي بأنه زار المملكة العربية السعودية أثناء دراسته في الجامعة، فشرب زمزم على نية الاختراع، ولم يمض على رجوعه إلى امريكا حتى اخترع للعالم فسبوك . إنه يوصي كل من يريد الاختراع بشرب زمزم ليل نهار…… وأظن بأن “بيل غيتس” ذكر قصة مشابة لها …

ما لم نحصل على دراسات علمية عصرية، فإن زمزم يبقى مثل أي نهر في العالم . فلا فضل لنهر على نهر. كل الأنهار مياه طبيعية لا فرق بينها، ويجب تعقيمها قبل تقديها للناس، كما تفعل السعودية مع بئرها القديمة زمزم..

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

ضيف الله الغيني

شاعر أديب روائي ومترجم . كاتب في الفكر الإسلامي ، والقضايا الافريقية. د. متخصص في المالية الإسلامية ، وفي إدارة الأعمال .

تعليق واحد

  1. خطير هذا الباحث
    على كل حال قرأنا البحث من الألف إلى الياء وهو مبادرة قيمة وجدية،
    رغم أننا كنا ننتظر نقدا أكثر قوة وصرامة حول تفنيد قدسية زمزم تبريكه.
    وكنت أسدا في البداية ولكنك عند وصولك في النقطة المشار آنفا شبه أسد، وبصراحة في هذه النقطة ماأتيت بشيء جديد جدي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى