سياسة وتاريخ

مأساة العقل العربي والانتقائية في إدانة الغدر بالفكر!

منذ أيام قليلة مرت بعالمي الإسلامي والعربي، ذكرى إعدام المفكر والناقد الأديب سيد قطب أبرز المؤثرين في الفكر الإخواني، عالمان (إسلامي وعربي) انشق بعضهما عن الآخر بفعل عوامل تاريخية، ثم انشطر كل واحد منهما لقطريات شتى؛ وكل ذلك نتيجة صدمة الاستعمار الذي عبَّر عن عنف الحداثة التي أفرزته، من خلال إعادة بناء السياسة وجغرافيتها وفق منطق الانتقائية والسوق، بصفتهما الأداة وهدف لانبساط هذا الاستعمار (الحداثي)، كل ذلك في غفلة من عامة الناس في العالمين الإسلامي والعربي، حيث الصراع فيها بين نخبه العارفة المتسابقة على دفة قيادة المجتمع، منها من يرفض المساق الحتمي باتجاه الآفاق الحداثي الذي يرى فيه انتحارًا في التاريخ، ومنها من يرفض البقاء في دائرة الحيرة والاسترابة الفكريتين وبالتالي الارتكاس إلى الماضي.

وهكذا استثمر بدل القلم في الدم الذي ظل هادرًا بسيول الدم والأشياء في قصة السياسة والإسلام عبر جداول الزمن وتحول من عسر الانتقال من المجتمع بقبلتيه وحسابات صراعاتها فيما بين الجاهلية والإسلام وما أفرزه من حرب على عروش الخلافة، إلى عسر الانتقال من الأصالة إلى المعاصرة كان سيد قطب في تراجيديا قصته أبرز من عكس قتامة صورتها.

أغرب شكل لظاهرة سيد قطب هو ذلك الرصيد الكبير من تجربة اللغة التي ارتحل بها من تيار النقد الحداثي الأدبي إلى حقول الفكر الإسلامي، سيما في نواحيه السياسية والسلطانية المتعلقة بالحاكمية، ذلك الفكر الذي كان في أولى مراحل إعادة بناء أسواره بعد أن كانت قد رُفعت قواعده من قبل جيل النهضة كمحمد عبدو وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا، تلك اللغة التي بفعل قواتها الجمالية والدلالية فتحت ثغرًا كبير في جدار العقل الإسلامي المحتبس والمغيب لقرون عدة عن حركة التاريخ.

هي إذن لغة حداثية نقدية منتقلة بمضمونها ومحتواها السائل والمتسائل وفق فلسفة المعرفة التي شكلت أساس استنارة العقل الغربي في الآداب والفكر، إلى بساتين التراث الإسلامي بسلاسة سيلها العذب الجاري، فازهرت في كثير من مساحتها، لكن البعض رأى أشكالاً غريبة من الزهور فاعترض على وجودها بداعي الخصوصية وجل هؤلاء هم من يحفظون وليس يحفرون في صخر الفكر وينعتون جزافًا في منطق التاريخ بالمحافظين وبمنطق السياسة بالمتشددين.

في المقابل، اعترض التيار المضاد على أن يقع أصلاً سيل اللغة (القطبية) الراقية في بساتين جرداء مهجورة (التراث) وكان على رأسهم النظام الثوري التحديثي القومي بقيادة الرئيس النصري الراحل جمال عبد الناصر، في المنطق العربي الفوقي للثورة.

العقل كما الجسد يتوحدان في قطار التعبئة من أجل مشروع الزعيم وليس النخبة، بل الأكثر والأمرّ من ذلك أنه حين يبزغ نجم الزعيم من ظلمة الثكنة تشرع النخب في توصيفه والتنجيم والتحشيد له لاغية في ذلك أرصدتها وآرائها ورؤاها ولاهية بالزلفى والقربى للعرش طوعًا وكرهًا عن هموم الشعب وعن منطق ما يتوجب أن تقول وتكتب، كل ذلك مما كان يرفضه سيد قطب بفعل تكوينه الشخصاني والنفساني حسب الذين عاشروه وعرفوه إذ كان شديد الكبرياء والاعتزاز بنفسه العارفة المفكرة، فربما كان هذا ولا يزال ما ينقص المفكر والكاتب المسلم والعربي الحقيقي المستقل بكبرياء المعرفة عن كبرياء الغطرسة بالسلطة والسياسة اليوم.

فما بين كاتب خان الحداثة والأدب وهاجر باتجاه البساتين الجرداء والمهجورة (التراث) وزعيم خان الأصالة إذ ارتمى في الحداثة في شقها الاشتراكي، كانت الحرب في أقصى اشتعال أوارها وتعالي غبارها، انتهت بعد ظنون وسجون إلى إرادة الاستئصال الوجودي، عبد الناصر يتهم سيد قطب وجماعته (الإخوان المسلمين) بمحاولة قتله وبالتالي الانقلاب على الحداثة وثورتها الاشتراكية، فيسبقهم إلى ذلك بفصل رأس الحركة عن جسدها عبر إعدام المفكر سيد قطب صبيحة 29 أغسطس سنة 1966.

هي صورة عن غربة الذات في محفل التاريخ يعيب بعض حداثييها على الأصاليين جرحهم النرجسي واكتفائهم برصد الاعتوار الخلقي في جسد الحداثة في استناد تافه إلى رصيد التراث ورأسماله في تجارة حضارة كبيرة وغالية عليه جدًا، وأصليون يعيبون على الحداثيين كونهم يستأصلون الذات من جذورها التاريخية فيتبخر الوجود الخاص بثقافته نموذجه الحضاري، فيتحول الإنسان المسلم إلى تابع أو عبد لسادة العصر من ملاك التقنية الحداثية.

هنا مربع الفشل للعقل العربي في الموضع الحضاري حيث انسحق في غبار الصراع المتقلب في مراحله بقوة السياسة وعنفها لا بقوة الفكر وإقناعه، حيث نسف سيد قطب ليس فقط مشروع القومية العربية الذي احتمل سيله ومده ومداده الفكر اليساري وقتها، بل جعل ذلك تحصيل حاصل لانهيار وشيك للفكر اليساري بكليته؛ كونه حسبه لا يستجيب ولا يستوعب مقدار الجزعة الوجودية للإنسان التي تفوق في سؤالها عما يسدها من الشيئية المادية، وصمم على أن البديل لا يكمن في غير الإسلام بحكم النص وبحكم معطيات التاريخ، فمات على هذا الحسم وأعدم على هذا الحتم.

بيد أن ما يثير الاستغراب في تناول المثقفين وأهل الفكر لمسألة القتل السياسي للفكر هو ذلك الانحياز الفاضح لمقصلة ومشنقة الاستئصال الحداثي على رصاص الإرهاب الأصالي، ففي الوقت الذي يجد فيه هؤلاء في مقتل المفكر فرج فودة تراجيديًا (وهي كذلك فعلًا) كون من قتله لا يقرأ، لا يجدون الأمر أكثر أو حتى أقل، تراجيديًا في أن من قتل سيد قطب (المفكر) كان يقرأ، الفرق بينهما هو أن فتوى قتل فرج فودة كانت من سلطة دينية موازية وفتوى قتل سيد قطب كانت بفتوى قضائية من سلطة سياسية رسمية، وأيهما الأبشع في المسألة والمأساة من يقتل الفكر بجهل أم من يقتله بمعرفة؟

اقرأ أيضًا: قد تقتل أحيانًا.. السياسة لعبة خطرة والخطأ بها يودي المهالك

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق