أسلوب حياة

لِمَا نُمهد لأنفسنا الطريق لنعود لنفس العلاقات المؤذية؟

ما هي العلاقات المؤذية؟

تعريف العلاقات المؤذية بالنص هي العلاقة التي تحتوي على كلمات تتضمن التنمر أو الأذى النفسي، أو قد تصل إلى الأذى الجسدي والعنف المنزلي، وفقاً لجمعية الصحة النفسية الإنجليزية، وأوضحت الجمعية أن العلاقة السامة قد تأتي من الشريك أو الصديق أو زميل العمل

نسمع دائمًا شكاوى أصدقائنا عن مدي كون علاقتهم بالآخرين مؤذية، وعن رجوعهم لذات العلاقات المؤذية في كل مرا يشعرون بها باليأس او الوحدة. تنتشر العديد من النِكات على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول موضوع الرجوع إلي العلاقات المؤذية ولكن هل هي فعلا مُجرد أحرُف يتم تداولها أم أنها تترك تساؤلات مُرهقة بيننا؟

لماذا ترجع صديقتك التي حذرتيها مرارًا وتكرارًا من نوعية الرجال الذي تواعدهم أو أنواع الرجال التي تُفضلهم وهم في الواقع -مؤذيين-؟ وصديقك الذي على اقتناع تام بأنه يجب أن يكون المِعطاء في كل علاقة يخوضها وهي في الحقيقة علاقة مؤذية اكثر من كونها “مُنقذة”؟ وتلك الأم التي تًقسم على أنها ستترُك بيتها لأجل رجُلٍ لا يتحمل فكرة أنها أفضل منه، وبعد بضع أيام تتفاجئين برجوعها إلي نفس الرجُل؟

لما نعود مُسرعين إلى علاقاتنا المؤذية؟

كم منا أخذ عهدًا على نفسه بأنه لن يكون الجناح المكسور في العلاقة والمُهمش على أحد الرفوف؟ وانتهي بهِ الأمر في نفس البقعة التي يري نفسه فيها نهاية كل علاقة؟

الرجوع إلي العلاقات المؤذية او خوض نفس العلاقات المؤذية، مُتبعًا نفس النمط قد يكون ناتج عن كره ذات. اقتناعك التام بأنك تستحق أن تتألم وان تُطعن بنفس الأداة وبنفس العُمق في كل مرا قد تكون سبب رجوعك لنفس الجحيم. فعقلنا الباطن يحفظ الأفكار التي بناءًا عليها نختار من يدخلون حياتنا. فالشخص الذي لم يستقبل إلا الألم في حياته من أقرب الناس إليه، سيظل يبحث عن نفس الألم لكي يُسَكِن الصوت بداخله الذي يخبره بأن مشاعره غير مباحة وغير موجودة. فيبحث عن نفس ذات الألم في كل علاقة، وأنماط الوجع، والحرص على تكرارها كأنه يعيش الماضي في الحاضر.

في بعض الأحيان، تكون فكرتنا عن الحُب مشوهة. بمعني أن الطفل الذي تربي في بيئة لا تعترف بوجود مشاعره وبوجوده من الأساس تكون فكرته عن الحٌب سطحية. او أنها قد تكون غير موجودة من الأساس. يُصبح ذلك الطفل شابًا وفي اعتقاده انه غير مرئي ومكانه حيث العلاقات المؤذية. عندها سيظَلُ يتنقل بين علاقات مؤذية كأنه في نُزهة، فيسعي في إرضاء هذا ويسمح باستغلال شخصٍ له فقط لأنه لا يريد النوم وهو يشعر انه غير مرئي وبدون شخصية.

ما هو التكرار القهري وما أسبابه؟

تناول الكاتب الدكتور محمد طه في كتابه “الخروج عن النص“ عن حالة مُماثلة لأحدي مريضاته التي تعاني من مشكلة العلاقات المؤذية.

عاشت طفولتها دون أي اهتمام من والديها، فالأب أناني غير مكترث في عمله خارج البلاد، والأم مشغولة بحياتها الخاصة وأصحابها.قضت حياتها في هذا التهميش، تشعر بأنها عديمة الأهمية، وتلوم نفسها دومًا بلا أي ذنب، وحين جاءت الفرصة للزواج، والانتقال لبيت آخر مع شخص آخر، كررت نفس نموذج الأب والأم باختيارها، فزوجها أيضا أناني عديم الاهتمام، وكأنها تنسخ صورة حياتها القديمة المؤذية والمؤلمة.

هذا التكرار يحدث دون وعي إذن، ومع أشخاص آخرين نختارهم بأنفسنا

وفي علم النفس يسمي هذا السلوك ”بالتكرار القهري“ ويحيل الدكتور محمد طه إلي تفسيره في أربع نقاط:

  • محاولة أخري

حين يكرر المرء نفس سيناريو الأذى مع نفس الشخص أو شخص آخر، فهو في عقلة الباطن يعطي نفسه فرصة أخرى في الفوز والانتصار. فيتقمص شخصيته القديمة والظروف نفسها أملًا في نهاية مُرضية.

  • سيطرة نفسية

في التجربة الأولى، يشعر الطرف المتألم أنه ضحية، ومغلوب على أمره ولم تكن الأمور بإرادته، لذا يصمم على الإعادة برغبته هذه المرة، وبكل ما فيه من إدراك ومعرفة بالظروف، دون أي جهل أو ضعف

  • خلّص تارك

كما تقول الأغنية «خلص تارك طفي نارك»، فإن الهدف في التكرار هذه المرة، هو الأخذ بالثأر، فلن يكون الضحية المتعرض للألم بعد الآن وإنما سيكون الجاني، وسينتقم من الشخص القديم مباشرة أو في صورة شخص جديد.

  • جلد ذاتي

سبب آخر يعود إلى رغبة الشخص المتألم والضعيف في عقاب نفسه، بالدخول في علاقة شبيهة وألم شبيه، لأن المسؤولية تقع على عاتقه وحده، لذا يجلد ذاته ويعذبها على سبيل التأديب والتطهير، فهو ينتقم من نفسه وحدها

التحرر من العلاقات المؤذية

إن العلاقة المؤذية تستحوذ عليك..تحتلك

كل مَن ذاق العلاقة المؤذية منا يعلم كيف تستهلكنا بالكامل في الوجود والغياب، وفي اللقاء والفراق على حدَّ سواء… كلنا نعرف كيف تتعطل مواهبنا ونختصر حياتنا في هذه العلاقة فقط… تسدُّ علينا آفاق الرؤية بكاملها، ويتم اختزال كل طموحاتنا وآمالنا في هذه العلاقة فقط.. تتركز التطلعات والخيبات في هذه العلاقة المضطربة فقط.. نجد المتفوق يرسب، والطَموح يرضي، والموهبة تركد، وذات الأحلام تفقد الأمل-كتاب أحببت وغدًا , عماد رشاد عثمان

العلاقة المؤذية علاقة إدمانيه ومُدمِرة، أي أنها تستمر دومًا بشكل قهري. أطرافك تُثَبت بمسامير على الحافة ولا يمكنك التحرر منها رغم رغبتك المُلحة في ذلك. إنها ككل إدمان يشعر صاحبه انه مُقيد ومصيره واحد وليس بوسعه الرحيل. والمواجهة آنذاك قد تكون مُهلكة وقد تكون طوق النجاة الوحيد.

ويبقي السؤال “هل تجدي المواجهة نفعًا في تلك العلاقات“؟ يُصِرُ الشخص على المواجهة والعتاب في العلاقات لإعطاء نفسه نوع من النهاية والفِهم. إذا كان المؤذي شخصًا نرجسًيا فمواجهة الجدار أجدى نفعًا من مواجهته فهو في كل الأحوال ” لا يخطئ“ والأسوأ انه ” هيقلب الطرابيزة عليك“. الفرار من العلاقات المؤذية ليس سهلًا، لأنه بالنسبة للبعض تلك العلاقات هي ما تُشعرهم بوجودهم، حتى لو كانت مؤذية، فهي كل ما يعرفون. وكل ما يعرفه المجتمع هو “إلي نعرفه أحسن من إلي منعرفوش”فخوفًا على التعرض لخيبات أمل جديدة، يتمسكون بنفس خيباتهم السابقة، لأنهم اعتادوا الألم.

ولأننا نري العالم من خلال علاقاتنا، فدواؤكَ فيك وما تُبصر, وما تختار من علاقات. التعافي يأتي بالمساعدة وبعلاقات مليئة بالحُب وتقدير الذات وليس بالغضب ولَعنِ كل من حولِك وإلقاء اللوم عليهم. لا تنتظر التعافي من نفس تلكَ العلاقات المؤذية, بل انتظرها من داخلك ومن نفسك وممن يُحبوك.

Raghad eid

اكتُب لكي يسمع الناس صوتًا لا يعلمون انه موجود واحيانًا لأهرب
زر الذهاب إلى الأعلى