مدونات

لَذًّةُ الشَوكِ… اسْتَمْتِع بِأَلَمَكْ

عندما تقرأ هذا العنوان للوهلة الأولى سينتابك شيئاً من الإستغراب، وبعضاً من الإنكار فكيف يكون الألم مُمتع؟!، وإذا كان هكذا فكيف أستمتع به؟ وقد يغوص تفكيرك إلى أبعد من هذا فتفكر في أن ذلك العنوان لجذب الإنتباه والحصول على قارئ جديد، وقد تفكر أنك ستقرأ محاضرة تنمية بشرية في هذه السطور، لكن الحقيقة أنها كلمات كُتِبت بعناء التجربة ومشقة الصبر للخروج من تلك التجارب.

الصدمة الأولى

بينما تُمارس حياتك العادية المُمتعة بالنسبة لك، و تُخَطط لحياتك بالشكل الذي يتماشى معك، إذ تفاجئ بحدث غير عادي يغير لك كل الموازيين التي تمشي عليها، و يختلف هذا الحدث بإختلاف نوع البلاء فقد يكون مرض، أو موت أحد الأشخاص القريبين منك، أو حادثة أدت لوفاة ابنك، وقد يكون غرق أحد أفراد عائلتك أثناء خروجه للمصيف، تتعدد الأسباب وتختلف النتائج.. لكن النهاية واحدة ”حدث فعل، وسيخرج منك الرد عليه”.

 الاستقبال الأول

ينقسم رد الفعل إلى نوعين، نوعٌ سلبي، والآخر إيجابي، وهذا يعتمد على الشخص نفسه وطريقة تفكيره، فمنا من ينفعل ويتمرد ويجذع فور إصابته بأي نوع من أنواع البلاء ويفتح أسئلة مستمرة من قبيل: لماذا أنا؟ وغيرها من التساؤلات الواهية التي لا إجابة لها، ومنا من يستقبل البلاء بنفس راضية مؤمنة بإرادة الله عز وجل فيما حدث، فبين الرضا والتمرد خيط رفيع، وبين الصبر والجذع خيط أرفع.

الصبر بالتَصَبُّر

لعل الصبر والرضى أهم خصلتين لابد أن يتمتع المُبْتَلي بهما؛ لكن أيهما يأتي أولًا: الرضى أم الصبر؟ قد تكون أفضل إجابة لهذا السؤال نستشفها من قصة سيدنا موسى والرجل الصالح:

فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) (الكهف).

وهنا الإجابة كيف تصبر على ما لا تعلمه، لذلك فإن الرضى يأتي في المرتبة الأولى قبل الصبر يلزمك أن ترضي بما أصابك حتى تستطيع الصبر عليه، فإن كنت غير راضٍ ستجد نفسك في سباق مستمر مع الأسئلة لماذا أنا؟ لماذا الآن؟.. إلخ، ولن يسمح لك الوقت في رؤية الجانب الأخر من الإبتلاء؛ إذاً فالرضي بالإبتلاء يساعد في الصبر عليه.

تعلم الصبر فإنه من الخصال الحميدة التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم ومسلمة، “فالصبر قارب يأخذك من عالم اللاشئ إلى عالم كل شئ”، فإن مكانة الصابرين عظيمة وقد قال الله عز وجل: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157). 

“وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) (هود)”.

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس المنذر بن الأشج العصري «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ» (صحيح مسلم).

الصبر الصبر، فما عند الله باق

آلامكَ و أحزانك لن تخف إذا زاد مقدار شكواك لغيرك، فحاول ألا تكون فريسة للشكوي؛ لأنها ستأخذ منك نفسياً وبدنياً، واهزم ظروفك بالإستمتاع بها، لا تُعِرها اهتمامك حافظ على روحك الجميلة وظنونك الطيبة في أن كل مُرٍ سَيَمُر. استودع كل تلك الآلام، وكل هذه المعاناة عند الله والدعوه أن يحسبها في ميزانك، فتكون قد رَبِحْتَ أجر الصابرين في الأخرة.

حياتك رسالة

إذا مررت بكل هذه المراحل السابقة، سَتَشْعُربلا أدنى شك بالفخر الشديد أنك تقف هنا الآن؛ تقف في المنطقة التي ظننت مسبقاً أن من المُستحيل الوصول لها؛ هل أدركت الآن أنه لا يوجد مُستحيل؟ يتبقى الآن أن تخرج من دور المُبْتَلي، وتدخل في دور الواعظ الناصح الذي يخفف عن الناس آلامهم، ويهون عليهم مصائبهم، ويرش هم إلى الصبر الجميل.

تلك المرحلة هي المرحلة الحقيقية التي ستبدأ فيها بالتعافي حقاً من كل هَمٍ ألَمَّ بك.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أسامة شعبان

لا اليأس ثوبي، ولا الأمراض تكسرني، ولا الأحزان تكسرني.... جرحي عنيدٌ بلسع النار يلتئمُ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق