أسلوب حياة

ليس مقتصرًا على الدين.. الفكر المتشدد يجتاح مناحي الحياة

لا ينحصر الفكر المتشدد والمتعصب على مساحة وحيّز الدين فقط، وهو ما يتبادر إلى أذهان الأغلبية عند سماعهم بالتيارات المتشددة، فطبيعة الإنسان تجعله لا يستطيع الانصياع إلى أي فكرة بسهولة، وبمجرد أن يرى فكرة أخرى مقنعة فإنه يتحول إليها وينصاع لها دون قيدٍ أو شرط.

وهذا ما يجلب المشاكل في أغلب الأحيان، لأن ترك فكرة ما سواء كانت دينية أو اجتماعية أو علمية أو عرفية يسبب عند أصحاب الفكرة ردة فعل سيئة، تجعلهم يتعاملون مع المنشق عنهم معاملة العدو، بل ويحاربون أفكاره الجديدة ويبحثون عمّا يضعفها.

ومن هنا، يتولد الفكر المتشدد والمتعصب، وستجد طريقه لدى المنشقين كردود فعل طبيعية، ليصبح في كلتا الضفتين تيار متشدد أعمى يبحث عن المجد والخلود لأفكاره بالقوة والتحايل والبغضاء، وتضيع فيما بينهما التيارات المعتدلة والتي تبحث عن المجد والخلود بالتوازن والإقناع والحب.

الفكر المتشدد داخل المجتمع

في داخل الأسرة، تجد هناك الأب أو الأم أو أي فرد من أفراد العائلة، يفرض أفكاره وميوله على الجميع، ويبطش فيمن يحاول مخالفته، وينكل بهم.

ويتضح ذلك الفكر المتشدد في التقليل من شأن المرأة وإهانتها، وجعلها كالسلعة تباع وتشتري بلا قيمة، ومن يعيش داخل هذه الأجواء المشحونة بالكره والتمييز الأعمى ويحاول أن يتحرر منها، فإنه سيجد نفسه أمام صعاب كثيرة وألسن طويلة وسيلاحقونه بالأذى والشتيمة أينما حل وارتحل.

ولعل أبرز النماذج على الفكر المتشدد لدى العشائر العربية بشكل عام، هي طلب الثأر بصورة لا تمت بالإسلام بصلة، بل وتخالف جميع التعاليم الدينية والنصوص القرآنية الواضحة والصريحة، فاحترام النفس البشرية وعدم سفك دمها غير موجود في قاموس الأفكار العشائرية الانتقامية، وإن كانت تتمحور حول دجاجة أو بقرة أو قطعة من القماش.

لأن معتنقي الفكر المتشدد ينقلون المواضيع إلى مساحات أكبر ليخوضوا فيها معاركهم الثأرية، فالكرامة هي “مسمار جحا” بالنسبة لهم، ناهيك عما يفعلونه في مناسباتهم المفرحة والحزينة، من إطلاقٍ للنار بكثافة ليقتلوا بعدها عشرات الأبرياء أو يصيبونهم أو يعوقونهم، ورغم جميع التوجيهات بهذا الخصوص فإن أفكارهم تمنعهم من ترك هذه الأفعال السيئة، بل ويزدادون شراسة كلما سنحت لهم الفرصة وغابت قوة الأمن والقانون.

اقرأ أيضًا: علم الاجتماع الحديث: ظواهر مجتمعية غريبة ولدت من رحم المعاناة

التشدد في العلم

لم يقف الفكر المتشدد عند الجهلة من الناس، بل تعدى إلى أصحاب الأفكار والعقول الكبيرة، والذين وضعوا نظريات وأفكار علمية لتعزز تلك العلوم والاختصاصات، إلا أن هذه النظريات توجهت بأصحابها إلى خلق فجوة وعداء بينهم وبين المعارضين لها من أصحاب النظريات الأخرى.

ومن أوضح الأمثلة، هو ما فعلته نظريات العالم الألماني كارل ماركس، والتي تسببت في نشوء العداء المستمر بين طرفي العالم الحديث، العداء الذي نشأ من أفكار اقتصادية وأطروحات سياسية، تخالف ما يصبو إليه الطرف الآخر.

ومن هنا، ظهرت في كلتا المدرستين خلال قرن من الزمن التشنجات والتشدد والمحاربة الواضحة للفكر الرأسمالي والاشتراكي، بل وهناك عداء بين بعض العلماء ومشادات كلامية واتهامات وصلت حد الانتقاص من الآخر، فالتشدد سلوك متطرف لا علاقة له بالعلم أو الجهل، بل يستمد قوته من عدم التعقل والهدوء والاتزان.

الفكر المتشدد في الرياضة

ومن أكثر الأمور غرابة، حصول مشاجرات تصل إلى القتل بسبب خلاف وتصادم بين مشجعي فريقي كرة قدم، والذين لا يحصلون على شيء في مقابل هذه العصبية والتي تصل إلى التخريب والعنف المفرط.

ولعلك تستغرب أكثر عندما يكون مشجعو هذه الفرق ليسوا من نفس المنطقة أو المدينة أو الدولة أو القارة، فهم يحاولون الدفاع المستميت عن أسماء لاعبي فرقهم الذين يشجعونها، وأن هذا الفكر المتشدد والذي يستوجب إخراج سلاح قاتل وطعن من ينتقد لاعب بسبب سوء أدائه أو غير ذلك.

وهذا الفكر ليس أقل خطراً عن باقي الأفكار المتشددة، فليست كل الأفكار المتعصبة تنبع عن الدين، بل إن التشدد الديني هو ثمرة من ثمار التشوه في طريقة تدبر الأمور، اجتماعياً أو علمياً أو رياضياً، وهذه الأمثلة هي مختصرة لتوضح أن الإنسان بمقدوره الاتزان وترك التشدد، ولكنه ليحقق ذلك عليه ترك الاعتماد على السلبيات وزراعتها لتنمو بالكره، وتثمر غلاً لا يغني صاحبه ولا ينفعه.

مَن ينبذ الفكر المتتشدد الديني والعنف وما نتج عنه من تحولات إلى جماعات إرهابية تستهدف الناس لمجرد خلافهم معهم في الفكر والمنطق والتوجهات، عليه أيضاً أن ينبذ باقي أوجه العنف والتشدد في أفكاره المعارضة لغيره، لكيلا يكون إرهابياً بالكلمة الجارحة، فما وصلت إليه جماعات المتشددين من تفجير وذبح وترويع للآخرين، كانت بداياتها كلمات تحولت تدريجياً إلى شحنات تجمعت لتنفجر إرهاباً يأكل الأخضر واليابس.

على الجميع مسؤولية الحد من دفع العقول إلى حمل الضغائن بسبب الخلافات، وتحمل مسؤولية عدم إنجاب أفكار إرهابية تؤسس لمشاريع قتل وتدمير، عارض وخالف لكن بما يؤمن عدم الانجرار إلى العنف.

ليس من العقل وضع صورة شخص يعتبره البعض رمزاً في كاريكاتير ساخر، وتركيب الصور بما يسيء إلى الآخرين ومقدساتهم أياً كانوا، والكف عن البحث عن الخلافات وبثها دون التحدث بإنصاف، لنتحلى بالنبل قدر الإمكان.

حاول فقط وقبل أن تنشر خبراً أو تطرح رأيك، أن تتصور أبنائك في المستقبل، لا تصنع من تراثك سماً يقتلهم فيما بعد، لا تتركهم ينجرفوا إلى وادٍ سحيق، لا تفقأ أعينهم وتدفعهم إلى فوهة بركان، اترك لهم إرثاً يبقيهم في الوسطية ومنهاج يعلمهم التروي والهدوء وعدم التسرع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نجم الجزائري

نجم عبد الودود الجزائري، ولدت في العراق في محافظة البصرة عام 1980، من ابوين عراقيين، حصلت على شهادة الدبلوم في تقنيات الهندسة المدنية عام 2000، وفي عام 2007 حصلت على شهادة البكالوريوس في ادارة الاعمال من جامعة البصرة، وظفت في جامعة البصرة وما زلت اعمل فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق