سياسة وتاريخ

ليس للوطن أصدقاء.. للوطن مصالح

هذه العبارة الخالدة في الذاكرة والعلوم السياسية التي أطلقها شارل ديغول، ليست مجرد كلمات أو خطاب عابر كما هو الحال لدينا في الوطن العربي، إنها مدرسة وفكر وعقيدة ترسم خارطة طريق للسياسات الإستراتيجية للدول بعد الحرب العالمية الثانية، ليس هناك عدوٌ دائم وليس هناك صديق دائم أيضًا، هناك مصلحة هي من تحدد القرب والبعد من هذا الطرف أو ذاك، هذه العلاقة تنصهر في مفهومها كل العقائد والأفكار والروابط بين البشر، ويجتمع الشعب حول مصلحة الوطن التي تتغير باختلاف المواقف والرؤى طبقاً للأحداث، هذه الفكرة اعتمدتها المؤسسات الأميركية كمنهجٍ في التعامل بسياساتها الخارجية، فترى تغير المواقف الأميركية لقضايا المنطقة والشرق الأوسط والعالم أجمع حسب مقتضيات المصالح الأميركية العامة، فمره تدعم أميركا حركة طالبان التي أنشاتها بالتعاون مع أنظمة عربية لقتال الروس في أفغانستان، ومره تحاربها كمنظمة إرهابية بعد أن استنفذت مهمتها.

وكذلك الحال مع كل الأنظمة العربية المدعومة أميركيٍّا، فهي تتخلى عنهم بسرعة؛ لأنها لا تؤمن بتحالف عقائدي أو عاطفي، إنما تبعًا لمصالحها، وفي تجارب الربيع العربي الكثير من الأمثلة والأدلة، نعم قد يلاحظ المراقب أن أميركا تعد اسرائيل وأمنها قضية ثابتة غير قابله للبراغماتية السياسية؛ ولكن هذا لأن اسرائيل هي مسئولة استراتيجية لها الأولوية في المصالح الأميركية في المنطقة؛ فهي ضمن دائرة المصالح نفسها رغم أنها تحمل أبعاد أيديولوجية دينية، لكنها ليست المبدأ الثابت الذي يقود سياساتها، فهي لا تمانع التعامل السياسي مع الضد النوعي لمثل هذا الكيان -أقصد اسرائيل- لو أمعنا النظر في السياسات الخارجية للدول الكبرى نجدها تتخذ نفس الإستراتيجية في علاقاتها، ولكن بالمقارنة مع الكثير من الأنظمة العربية سواء السابقة أو الحالية، يلاحظ أن هذه السياسة والثقافة غائبة، فالعقل العربي لازال يعيش في أوهام عفا عليها الزمن، فنجد البعض من الأنظمة ممن رهن قراره ومواقفه بالموقف الأميركي تبعاً لرأي الحليف الدائم والأبدي، مع علمهم بأن أميركا تخلت عن حلفائها السابقين؛ لأن ظروف المصلحة الأميركية قد تغيرت، وأنها غير مستعدة للدفاع عن أنظمة هاوية؛ ولأنهم لا يؤمنون أصلاً بحليف دائم إلا بدوام المصلحة، هذا التعامل العربي لا ينطلق من غباء أو عدم درايه فقط، بل لأن شكل الأنظمة فاسدة فترى الرئيس أو الملك أو الأمير يضع مصلحته وبقاءه بالسلطة في مقدمه الأولويات.

هذا الوصف قد يكون مناسب لأنظمة سابقة، وبعضها لازال، لكنها تعيش ظروف استقرار سياسي بخلاف الواقع العراقي الذي يعيش حاله من الفوضوية بعد سقوط الدكتاتورية في نيسان 2003م، فوضى أنتجت نظاماً هجينًا للسلطة، يفتقد الرؤية الواضحة لهوية الدولة التي رسمها الدستور، هذه الهوية الضبابية نظريًا زادتها أحزاب تقاسم السلطة والنفوذ ضبابيةً وفوضويةً، حيث فشلت على مدى أكثر من 16 سنة في تكوين هويةٍ واضحةٍ جامعةٍ تعبر عن المصالح العراقية؛ نتيجة لاختلاف الأفكار التي تحملها الأحزاب، وبالأخص الإسلامية منها، التي كان البعض منها مؤمنًا بنظرية “ولاية الفقيه الدينية” التي أسسها روح الله الخميني في إيران، وبعضها لم يتعدى عمله السياسي كمعارض فقط دون رؤية مستقبلية تسارع الأحداث، وبعد سقوط النظام السابق أنتج مرحلة جديدة، فقد دخلت المرجعية الدينية العليا للشيعة في النجف على الخط، بعد أن كان دورها مغيبًا ومحصورًا في الماضي، ظروف الاحتلال والفوضى والطائفية أفرزت دستورًا أنتج نظامًا هجيناً كما أسلفنا، وزادت الاختلافات الطائفية والقومية من تضييعها للهوية الجامعة، رغم أن بعض نصوص الدستور واضحة ولكنها غيبت بالأداء السياسي للأحزاب الحاكمة.

الهوية الجامعة التي نقصدها هي عقد مجتمعي وطني يتفق عليه العراقيون جميعًا، ويتجاوز الطائفة والدين والقومية والأفكار العقيدية العابرة، ليكونوا تحت مفاهيم تتخذ من المصلحة الوطنية استراتيجية للعلاقات، التنوع العرقي والديني والمذهبي كان له أسباب طبيعية للفوضى إلى حدٍ ما في أوقات سابقة، لكن التجارب القاسية أعطت درسًا واضحًا، وخصوصًا بعد حرب داعش الأخيرة، الخطر يكمن اليوم في الأفكار الأممية العابرة، والتي تتجاوز جغرافية الوطن أو تلغيها من الأساس، فنجد أن ولاية الفقيه تجد لها أتباعاً ومؤمنين كثر بالعراق، كونت الأساس الأخطر في مد النفوذ الأجنبي، في قبالها لم تستطع القوى العلمانية أو المدنية الأخرى أن تبلور أفكار لشكل الدولة وهويتها؛ لأنها فشلت في كسب ثقه الشارع، وقدمت نفسها على أنقاض الفشل للأحزاب الدينية، ولم تقدم بديلًا ناجحًا، ولأنها متهمة بالاشتراك بالفساد مع خصومها من الإسلاميين، ولم تستطع قوى النخب الفكرية والثقافية أن تبلور نفس الفكرة، ربما لأنها لا تمتلك تاثيرًا واضحًا في الجمهور لأسباب تخص المزاج العراقي.

لكن المتابع لآراء وتوجيهات المرجع السيستاني ومواقفه، يرى بوضوح أنه ينظر لمشروع للدولة، يتخذ من المواطنة والقانون أساسًا للعقاب والثواب، هذا التنظير لمشروع الدولة طرح جديد على المدرسة الإسلامية الشيعية، خصوصاً أنه ينطلق من شخص ليس بالعادي، فهو أكبر مرجع للشيعة، ودوره مؤثر على المستوى الوطني، لم يسبق لمرجع شيعي أن دعى إلى دولة وطنية على حد علمي، آراء السيستاني وأفكاره هي المخلص الحقيقي للأزمة التي نعيشها كعراقيين، لأنه يمتلك صفه المرجع ويمتلك تاثيرًا كبيرًا على الشارع، والنقطه الأهم أنها تأتي كضد نوعي لمشروع نظرية ولاية الفقيه في العراق، ولكل الأفكار العابرة التي تتجاوز جغرافياً الوطن التي تعتمدها بعض الدول كجزء من سياساتها لأغراض التوسع والنفوذ، إيران ليست المتهمة الوحيدة بتصدير أفكارها، فالسعودية عملت بنفس المنهج مستفيدة من الوضع التاريخي لمكانتها ولوجود مكه وقبر الرسول؛ فهي تحاول تزعم العالم الإسلامي السني، ولكن تركيزنا كان على الدور الإيراني لأنه الأخطر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

علي قاسم الموسوي

كاتب مقال عراقي متنوع سياسي وادبي وفكري اعتقد اني لدي الموهبه والحب والشغف واريد تطويرها ،احترم الرأي الاخر والانسانيه هي اول واخر شيء يجمعنا
زر الذهاب إلى الأعلى