سياسة وتاريخ

ليس سلامًا ولا تطبيعًا.. الاتفاق الإماراتي ولعنة العروبة

تمرّ الأمّة العربية بعد اتفاقيات التطبيع الإسرائيلي بأوقات لا يليق حتى وصفها بالعصيبة ولا بالحالكة؛ لأنّ ذلك سوف يعيدنا كعرب إلى ما قد تهكم به “القصيمي” علينا من أنّنا “ظاهرة صوتية“، لا نحسن سوى الكلام والصّراخ في وجه الفراغ، والتّعب من كوننا عرب.

“أنا يا صديقة متعب بعروبتي .. فهل العروبة لعنة وعقاب”، هل سبق الشاعر السوري نزار قباني، كل النبوءات وقدّم رؤيته في تونس منذ 1980 أي بعد اتفاقية كامب ديفيد بين الرئيس المصري الراحل أنور السّادات والكيان الصهيوني؟ طبعًا أنا لا أقول مصر لأنّ الأحرار تنسب إليهم الأوطان وهم أغلبية الشّعوب المغلوبة على أمرها والتي لا يمكن أن تفرّط في القضية ولو على أجسادها، فما زالت قوّة العبارة في “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة” ترنّ في الأذن العربية الحرّة.

إنّه زمن التطبيع الإسرائيلي والانبطاح النّظام العربي الذي استمرأ الارتماء بين أحضان الصّهيونية العالمية والأمركة اللتان ما فتئتا تستقطبان الميل الغريزي في كل نظام عربي يرى بأنّه مهدّد ولا يمكن إلا أن تكون أمريكا هي المنقذة، لكن الدخول إليها لا يتحقق إلا من باب الكيان الغاصب، وبذلك تصبح الاستراتيجية مبنية على أغلوطة فادحة وهي أنّ الوضع العربي كي يلج حداثة العصر وهو في منطقته الجنوبية عليه أن يتسلح بالتجربة الصّهيونية ويخبر كيفية تفاعلاتها في محيط متخلف.

وبالتالي يجب على العالم العربي أن يعيش التجربة، ولا يمكن أن يتحقّق ذلك إلا إذا مدّ يده إلى الصّهيوني المتعصّب الغاصب للأرض وللتّاريخ ويقدّم له فروض الولاء والطاعة والحب، وذاك ما تترجمه الصّور حين اجتماعاتهم، من ضحك وتبادل الود والكلمات المعسولة التي يُحرم منها القريب وتُسكب في قلب الغريب.

ويغيب عن هؤلاء أنّ هذا المنطق مُعوجّ ومشوّه، لأنّ ما يصفه الغرب بالدولة الوحيدة الدّيموقراطية في الشرق، أول ما يهدم هذا الزّعم هي الصيغة الإلغائية والتدميرية (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) للوجود الفلسطيني القبلي الذي ملك سيادته على أرضه واستنبت منها هويته وأصالته.

إنّ هؤلاء الذين يتطاولون على التاريخ والجغرافيا والشّعب المغصوبة حقوقه، في حقيقة الأمر لا يطبّعون، التطبيع الإسرائيلي مفهوم خارج سياق ما يروّجون له، ولا يتّفقون سلميًا، لأنّ ذلك يؤكد هزيمتهم، إنّهم في الواقع يقدّمون ما تبقى من نخوتهم لينجزوا مع المحتل الغاصب المعنى والمفهوم في “الشّتات” و”أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، أي إنّهم يؤكدون على مركزية فلسطين بالنّسبة للدّولة اليهودية.

فالشّتات، شتات عن المركز، ولا يعني ذلك سوى العودة إلى المركز كما يذهب إليه المفكر عبد الوهاب المسيري، فهو يؤكد على مفهوم “الانتشار”، ثم باعترافهم بكيان الصهاينة، هم في الحقيقة يدقون الإسفين الأخير في نعش القضية العربية برمتها، لأنّهم يعترفون بالأرض التي بلا شعب، فيصبح المطلب الصّهيوني قائمًا باعترافهم ذاك، ومبرَّرًا في المطالبة بحقوقهم التاريخية في الجغرافيا العربية.

إنّ التطبيع الإسرائيلي والتبجّح به مع الكيان الغاصب، يبرّره أصحابه تارة باسترجاع الحق المسلوب كما في كامب ديفيد، إذ استرجع السّادات – وليس مصر – سيناء، استرجاع منقوص السيادة، وفي حالة اتفاق ابراهام كما سمّاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

برّر الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي، التطبيع الإسرائيلي بتعليق الاتّفاق على وقف ضم الأراضي في الضفة الغربية، وهو ما كذّبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، بمجرّد الإشارة إليه بأنّ الوضع لا يتعلق بالوقف وإنّما التأجيل، لأنّه وَعَد ناخبيه بذلك، وهنا يختلف نظام عن نظام؛ نظام يحترم شعبه، وآخر لا يأبه به حتى.

إذًا، أسقط نتنياهو ورقة التوت الأخيرة عمّا حاول تغطيته الجانب الإماراتي، وبالتالي ليس المراد من التّقارب افتكاك حق في ظلّ غياب أصحاب الحق الأصليين، وما هكذا تسترد الحقوق، إنّها طعنة في ظهر الفلسطينيين الذين أصبح كل من هبّ ودبّ وفي حجر الصهاينة استتب، يدّعي زورًا أنّه يحاول أن يحلحل القضية لاستعادة الحق المسلوب ولو على حساب الشّرف والمروءة وعدالة القضية.

إنّ كلمة “تطبيع” لا تأتي في سياقها الذي ترسم فيه علاقة بين كيانين، التطبيع الإسرائيلي في العلاقات بين دولة عربية والكيان الغاصب معناه “جعلها طبيعية وعادية”، كما جاء في أحد المعاجم. فهل السياق العام للمجتمع على المستوى الثقافي والتاريخي والنّفسي يتساوق وهذه الرّؤية؟ طبعا لا، لأنّ المسار التاريخي للعلاقة مع الصّهاينة هو مسار صراع ويستمر ذلك حتى بعد ما يسمى “تطبيع”، والذي هو ليس كذلك، مادام أنّ المزاج العربي الشّعبي في عمومه يناضل من أجل أن تسترد الحقوق كاملة غير منقوصة للشّعب الفلسطيني.

ما يسمّى تطبيع هو في واقع الحال انحراف بالمعنى الدال على الخضوع للمعتدي بغية الاستفادة من مزايا رعاية من يطبّعون، وحراستهم والحفاظ على استمرارهم في الحكم، وهذا خارج إرادة الشّعوب الرّافضة للمسعى الانبطاحي للأنظمة، وبالتّالي لا يصبح المعنى في التطبيع هو إقامة العلاقات بين الدّولتين، لأنّه في هذه الحالة المفترض أن يكون الحق مستردًا والندية قائمة، خلاف ذلك يكون التطبيع الإسرائيلي خيانة للأمّة والتاريخ ونضالات الشّعب المسلوبة حقوقه.

الواقع أنّ التطبيع يتأسس كإطار عام لما يسمّى “اتفاقية سلام”، هذه الأخيرة تنجز ضمن مسمّى لا تاريخي ولا معنى له في سياق العلاقات الدولية، لأنّ هذه الأخيرة تقوم على مبدأي الاحترام المتبادل والمعاملة بالمثل، وهما ما كانا على الدوام مخترقين في كل ما تحقّق من اتفاقيات مع الكيان الصهيوني الغاصب، سواء في كامب ديفيد حيث أصبحت الدولة المصرية في يد الصهاينة يعبثون بمصيرها ومسارها كما شاءوا، أو في وادي عربة، أو في اتفاق ابراهام حيث ظهرت منذ الوهلة الأولى عدم المقدرة على حفظ ماء الوجه حين كذّب نتنياهو علانية وعلى قارعة العدسات بن زايد.

اتفاق السلام لا يكون إلا بعد الحرب، وهو المعنى الذي تريده إسرائيل للكيان العربي الذي يحاول أن يقترب منها تطبيعًا وسلامًا، حيث السلام يقتضي وجود حرب، والحرب فيها المنتصر والمهزوم، والمنتصر يكون متحكماً في الوضع رابحًا للقضية المتنازع حولها، والخاسر يكون فاقدًا للحق، والكيان العربي في وضع السلام مع الكيان الصهيوني إنّما يقع في خانة المنهزم، لأنّ قضيته المحورية شاء أم أبى والمحسوبة عليه تاريخيًا وإنسانيًا هي فلسطين، وهي القضية التي مازالت لم يتحقق العدل فيها باسترجاع الحق إلى أهله، وهم العرب والمسلمون، لأنّ القدس ثالث الحرمين، وكنيسة القيامة حق تاريخي للعرب المسيحيين، تلاقت فيه المقاصد والمعاني، منذ دخول بيت المقدس من طرف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- التي لم يشأ حتى الصلاة فيها (كنيسة القيامة) لأنّها حق تاريخي مؤسّس للمسيحيين. طبقًا لكل ما سبق ذكره فإنّ التطبيع الإسرائيلي أو اتفاقيات السلام ما هي سوى خضوع لهيمنة الغالب، وركون إلى إرادته وهو ما أكدته التّجربة إلى أن أصبحت مصر اليوم وكأنّها ولاية تابعة للكيان الصهيوني.

هناك قضية مهمّة وذات جذر استراتيجي في معادلة التطبيع المختلة، وهي قضية المثقفين الذين يشكلون الوعي بالقضية في تداعياتها التاريخية والإنسانية والثقافية. لقد شهدت العلاقات بين بعض الأنظمة العربية والكيان الغاصب هرولة بعض المثقفين الذين انغمسوا في وحل التطبيع الإسرائيلي وهلّلوا له بل وانبطحوا في ساحته، كما فعل الروائي المصري صاحب رواية “رد قلبي” والذي تحول لعمل سينمائي، يوسف السباعي، الذي صاحب السادات في رحلته إلى تل أبيب، باعتباره من طاقم مؤسسة جريدة “الأهرام”، وكافأه السادات بتعيينه وزيرًا للثقافة، واغتيل في قبرص في 1978 بسبب تأييده للتطبيع. كما لا يمكن تجاوز علي سالم صاحب مسرحية “مدرسة المشاغبين” الذي ناصر التطبيع ورأى أنّ إسرائيل لا تشكل خطراً على الأمن القومي المصري وزارها والتقى شخصيات صهيونية وكتب مؤلفه “رحلة إلى إسرائيل”.

والتأكيد على المثقف نظراً لأهمّيته في قضية الأمن الثقافي وتكريس الوعي بالقضية والتاريخ ومسارات ومصائر الأمة في ظل المغالبة السياسية الدولية القائمة في شقها العولمي على المحو والإحلال، ومن هنا كانت أهمية المثقف العضوي والملتزم، حيث الفيلسوف الإيطالي غرامشي، لم يكتب “كراريس السجن” منعّمًا بالحرية وإنّما كتبها مناضلًا يدفع ضريبة التمسك بحق المناضل في الجهر بمبادئه والدفاع عنها، وعرّف المثقف بالنسبة لوظيفته ودوره بالنسبة للطبقة الاجتماعية. وهنا تكمن خطورة انسياق المثقف في مسار التطبيع، فذلك ينزله من مستوى الكينونة العضوية الثقافية المعبّرة عن طبقة اجتماعية إلى مستوى الكينونة في واقع السلطة السياسية المحدودة والتعبير عن مطالبها المناوئة لتطلعات ورغبات الشعوب.

اقرأ أيضًا: حتى يكتمل السقوط.. هل يتسبب محمد دحلان بـ«نكبة» جديدة لفلسطين؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

‫2 تعليقات

  1. فعلا لقد وضعت النقاط على الحروف واسهمت في التحليل لجوانب الرضوخ والتطبيع وخاصة النقطة المتعلقة بمسؤولية المتقفين الذين يتحملون الوزر الاكبر لهذا الانبطاح.

  2. مقال رائع وعميق، الطبقة المثقفة هي التي يعول عليها ولكن للأسف بينما يهرول بعضها للتطبيع تجد المعظم على كوكب آخر بحجة العلياء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق