ثقافة وفنون

ليس دفاعًا عن الفصحى (اللغة العربية)

لم تتعرض لغة لمثل ما تعرضتْ له اللغة العربية من العداء، إذ مُنِيَتْ بضرباتٍ خارجية وطعناتٍ داخلية، حاولتْ جميعها النَّيل منها وإلصاق التُّهم بها، فاتُهمتْ اللغة الفصحى تارةً بالجمودِ والعُقم والعجزِ عن استيعاب العلوم الحديثة، وتارةً بأنَّها سببُ تخلُّف العرب عن الغرب، وثالثةً بأنها صعبةٌ ومُعقَّدة.

وحسبي في هذا المقام أنْ أقف أمام اتِّهام الفصحى بالصعوبة، وأتساءل: هل اللغة الفصحى حقا صعبة؟

لقد ادَّعى البعض صعوبةَ اللغة الفصحى، وقَصدوا بذلك تعقُّد قواعدها النحوية والصرفية وتشعبها؛ ممَّا يَبعثُ على النفور منها([1])، وكان أصحاب هذا الرأي يرمون من وراء ذلك إلى التخلِّي عن العربية واستبدالها بلغةٍ أخرى يَسيرة، فمنهم من دعا إلى الأخذ بالعامية وحاول ضبط قواعدها، ومنهم مَن دعا إلى تعلُّم لغة مغايرة كاللغة الإنجليزية أو الفرنسية اللتين أثبتتا – في رأيهم- قدرتهما على الرقي بالأمم.

وقد استدلَّ أنصارُ هذا الرأي بما يرونه مِن ضَعف العربية على ألسنة المتعلمين، وأنَّنا نُعلِّمُ الطلاب قواعدَ النحو والصرف لسنواتٍ طويلة، ثمَّ لا يُتقنون العربية، ولا يُجيدون التحدثَ بها، وهو ما أشار إليه الجُنيدي خليفة في حديثه عن تعلُّم النحوِ قائلا:” فبعدَ سنواتٍ طويلةٍ ومجهوداتٍ مُضنيةٍ يَقضيها الطالب في تعلُّمِه يَتوصل – إنْ كان من المُوفَّقين- إلى أنَّ حكم المبتدأ الرفع”.([2])

والحقيقةُ أنَّ دفعَ هذا الزَّعم لا يحتاج قليلَ إعمالٍ للذهن، أو كدٍّ للقريحة؛ إذ هو لا يَثبت أمام النقد والتمحيص، بل سرعان ما يتلاشى.

ويُمكنُنِي إجمالَ الردِّ على هذا الزعم في نقاطٍ ثلاث:

أولها: ما ذكره أصحابُ هذا الرأي من عجز المتعلمين عن إجادة الفصحى بعد طول دراستهم لقواعدها أمرٌ واقعٌ لا يُمكن إنكاره، بل أُضيفُ إلى قولهم أنَّ في كثير من الأحيان يَعجزُ معلموهم أنفسهم عن استخدام الفصحى بطلاقة في المواقفَ التي تتطلب ذلك، لكنَّ تجدر الإشارة إلى أنَّ عجز المتعلم عن التَّحدثِ باللغةِ الفُصحى لا يعني صعوبتها، بل يعني أنَّ هناك خلطًا بين الدراسة النظرية لقواعد اللغة العربية نحوًا وصرفًا من جانبٍ، والتدريب على إكساب مهارات اللغة من جانبٍ آخر، فإنَّ عجز المتعلمين عن إتقان مهارات اللغة نَتَجَ عن الحرص على تعليمهم قواعد اللغة لا إكسابهم مهارة تطبيق هذه القواعد والمعارف النحوية، وهذه قضية تربويّة في المقام الأول تتعلّق بالأساليب المتَّبعة في تدريب المتعلّم على اكتساب المهارات اللغوية.([3])

فهم يخلطون بين المعرفة النظرية والمهارة، والبَون شاسع بين الأمرين، فالمعرفة بقواعد النحو لا تُكسب المتعلم الملَكة اللغوية بل تفسرها فحسب، فقد اكتسب أسلافنا من العرب اللغة بالدّربة والمراس؛ وامتلكوا اللغة وأبدعوا في مختلف فنون القول دونَ أنْ يَعلموا للنحو أو للصرف قواعد، فمَن علَّم العربي أنَّ الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب فلَمْ يخلط بينهما؟

فدراسة النحو والقواعد إذًا لا تكفي لإقامة اللسان، ومن أراد أن يُحسن اللغة فسبيله استظهار روائعها، لا قراءة قواعدها، فقد ذكر ابن خلدون في مقدمته أنّ السبيل إلى اكتساب ملكة اللغة هو حفظ كلام العرب وأساليبهم:” ووجهُ التَّعليم لمَن يَبتغي هذه الملكة، ويروم تحصيلها، أنْ يأخذ نفسَه بحفظ كلامِهم القديم الجاري على أساليبهم، من القرآن والحديث وكلام السَّلف، ومخاطباتِ فحول الشعراء في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم؛ حتى يَتنزَّل لكثرة حفظه لكلامِهم من المنظوم والمنثورِ منزلةَ مَن عاش بينهم ولُقِّنَ العبارة منهم…”.([4])

ثانيًا: لقد أتقن العربيةَ الكثيرون من غير العرب أيضا، مِمَّن انتشر بينهم الإسلام، ولو كانت الفصحى صعبة لما انتشرتْ مع الإسلام، وما تحولَّتْ أمم الأعاجم إلى ناطقين بالعربية، كما أنَّ الفصحى التي يزعمون صعوبة قواعدها قد عاشتْ ما يزيد على ألف عام، تم خلالها إنتاج مؤلفاتٍ تفوق الحصر، خرج بعضها من أمصار عربية، وبعضها الآخر من أمصار غير عربية، وهو ما يُبطل هذا الزعم.

ثالثًا: أنَّ الصعوبة موجودة في كل اللغات تقريبًا، ولن تجد لغةً يتعلم أهلها قواعدها دون صعوبات، لكنَّ هذه الصعوبات تختلف وفقا لقدمِ وعراقةِ اللغة، فكلَّما توغلتْ اللغة في القدم والعراقة زادتْ صعوبتها، وإذا لم تكن الصعوبة قاسمًا مشتركًا في مختلف اللغات فلِمَ نجد الأمم المتحدثة بلغاتٍ غير العربية يتفاوت أهلها في إجادتهم لمهارات اللغة؟ فلو سلَّمنا بسهولة لغتهم مطلقا وعدم انطوائها على شيء من الصعوبة لوجدنا المتحدثين بها على درجة واحدة في إجادة اللغة، وهو ما ينافي واقع اللغات.

وقد أشار الدكتور رمضان عبد التواب إلى ذلك قائلا:” والحقُّ أنَّ هذا الإعراب الذي يُوصفُ بأنَّه مُعقَّد وصعبٌ، لا تَنفرد به العربية الفصحى وحدَها، بل إنَّ هناك لغات كثيرة لا تزال تحيا بيننا، وفيها من ظواهر الإعراب المُعقَّد ما يَفوق إعرابَ العربية بكثير، فهذه هي اللغةُ الألمانية مثلاً تُقسِّم أسماءَها اعتباطًا إلى مُذكَّر ومؤنثٍ، وجنسٍ ثالثٍ لا تَعرفه العربية وهو ” المحايد”……”. ([5])

ومِن ناحيةٍ أخرى لا تجد لغة كثر متحدثوها أم قلوا إلا نبغَ فيهم لغويون وعلماء، تَخصَّصوا في مجال اللغة، فماذا يَعني هذا؟

أليسَ معنى ذلك أنَّ أهل اللغة لم يَعرفوا أدق أسرارها، ولم يَجمعوا شتاتها، ومن ثّمَّ قام بهذا الجهد طائفة من علمائها؟

لقد آن الوقتُ لأنْ نطرح الجدلَ حول صعوبة اللغة جانبا؛ فلا طائل من ورائه، وليأخذْ مُعلمونا بالوسيلة المُثلى التي بها تعلَّم أسلافنا العربية، وانطلقتْ ألسنتهم بروائع الأدب، وليضعوا نُصب أعينهم التدريبَ والمراسَ على مهاراتِ اللغة لا الاكتفاء بتعلُّم قواعدها، وأن يَصرفوا جُلَّ اهتمامِهم إلى القراءةِ الواعية للنصوص الأدبية، ومخاطبة المتعلمين بالفصحى، ومَنحهم فرصًا للتعلم من خلال التحدُّث والوقوع في الخطأ ومعرفة الصواب، بهذا تنمو لديهم الملكة اللغوية ويَجدر بهم الانتساب إلى أعظم لغةٍ.

 

([1])  انظر: اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، أ.د عبد الكريم خليفة، من منشورات مجمع اللغة العربية الأردني، الطبعة الثانية عام 1408هـ  1988م، ص 215.

([2]) نحو عربية أفضل، الجنيدي خليفة، منشورات درا مكتبة الحياة بيروت، (د. ت)، ص77.

([3]) انظر قضايا اللغة العربية في العصر الحديث، دكتور سمر روحي الفيصل، مركز زايد للتراث والتاريخ، (د.ت)، ص32.

([4])  مقدمة ابن خلدون، القاهرة عام 1327هـ، ص 654.

([5]) فصول في فقه العربية، رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة السادسة عام 1420هـ- 1999م، ص416.

د. أحمد علوان

دكتور أحمد علوان، دكتوراه في اللغة العربية ( النحو والصرف) محاضر بجامعة عين شمس، ومعد برامج تلفزيونية- ومنسق تربوي بإحدى المدارس الدولية بالقاهرة.

تعليق واحد

  1. ما شاء الله لا قوة إلا بالله
    أحسنت يا دكتور أحمد علوان
    لا فُض فُوك يا دكتور
    و لا تحرمنا من مقالاتك القيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى