ريادة أعمال وإدارة

ليبيا الدولة الفقيرة والأرض الغنية والوسيط الغائب

ليبيا الدولة الفقيرة والأرض الغنية والوسيط الغائب .. نقصد بالدولة في هذا الطرح هي دولة الحكومة والسلطات والمؤسسات بدون الشعب الذي يقيم عليها وبدون الأرض التي أوجدت كيانها، وبهذا نكون قد تجاوزنا المفهوم التقليدي للدولة وأستبدلناه بمفهوم الدولة الحديثة التي يفصلها العلماء النجباء عن الشعب ويصفونها بالإستقلالية والحياد داخل المجتمع، وهكذا نكون قد تجاوزنا مع هذا التجاوز أي نقد أيديولوجي محتمل وقديم وغير بناء.

لعل واحده من أكبر المغالطات هي الفكرة التي يرددها الناس ومفادها بأن ليبيا دولة غنية، ولكن في الواقع نجد أن ليبيا دولة ليست بالفقيرة وليست بالغنية وهذه هي الحقيقة الغائبة أو المغيبة مصادفتًا أو عمدًا. ليبيا لم تكن دولة غنية يومًا بالمفهوم الحقيقي للمصطلح، وفي أفضل حالتها في مراحل سابقة كانت مصنفة في متوسط ترتيب دول العالم من حيث الدخل، وهذا إن كان الدخل مقياس عادل لدرجة غنى البلدان، وهو الرأي السائد غالبًا.

القناعة الغير صائبة بأن ليبيا دولة غنية ربما جاءت من تأثير العطايا التي تمنحها الحكومات الليبية السابقة لمواطنيها من حيث دعمها للطعام، والشراب، والبنزين، والكهرباء، ومجانية التعليم والصحة، وبرامج البعثات المتنوعة، والتوسع في التوظيف العام، وغيرها من مظاهر الدعم الحكومي والسياسات الإجتماعية، وهي لا تعني بأية حال من الأحوال أن ليبيا دولة غنية، وأما الإحتياطات النقدية للبلاد فهي ليست بالشئ الكبير لكي تصنف ليبيا بأنها دولة غنية، وهي أرصدة تملكها أغلب دول العالم وتبقيها للضرورة الأزمات الطارئة مثل إنهيار في قطاع التجارة الدولية، أو نشوب حرب، أو هبوط في سعر مادة خام تعتبر مصدر رئيسي للدخل في ميزانية البلد، أو غيرها من الظروف الطارئة، وفائدتها بأنها تمنح وضع جيد للدولة في تعاملتها الخارجية، حيث تزرع ثقة الاَخرين فيها أثناء التعامل التجاري، وتسند قيمة عملتها وسمعتها المالية في التعاملات الدولية، وهذه النقود لا تدل على أن ليبيا دولة غنية حتى يتسنى مقارنتها بدول الخليح أو دول  اسكندنافيا أو حتى دول جنوب شرق آسيا الصاعدة. هذه المليارات النقدية والسيولة المحصلة من محافظ الإستثمار الخارجي لا تكفي لتغطية النفقات الحكومية لعدة سنوات قصيرة، نهيك إذا ما أردت ليبيا إصلاح بنيتها التحتية المتهالكة، والتي تتطلب جبال من الأموال التي تفتقدها ليبيا اليوم.

الفكرة السائدة بين الناس على إن ليبيا دولة غنية قد يكون مصدرها الصرف والدعم الحكومي الواسع في الفترة السابقة مقارنة بدول جيرانها، وربما مصدرها تسويق المعارضون للنظام السابق لها، والذين كانوا يخرجون على القنوات الفضائية العربية ويرددون بأن البلد غني والشعب فقير حتى رسُخت في عقول الناس فهم خاطئ لتصنيف البلاد الإقتصادي، ومع هذا يجب أن لا يفهم من طرحنا الإقتصادي الواقعي اليوم بأنه تبرئة للنظام السابق أو الحكومات الحالية من التقصير، ولكن الفكرة الشائعة بأن ليبيا بلد غني مبالغ فيها لحد كبير. ليبيا لم تصل في إنتاجها حتى إلى صافي الإنتاج المحلي لدول قريبة منا في عدد السكان وتجاورنا في الجغرافيا ولا تملك موارد طبيعية مثل التي نملكها. إن دول مثل تونس ومصر والجزائر والمغرب والسنغال يفوقوننا في القدرات الإقتصادية ووفي دخلهم السنوي، وهذه الحقيقة قد كشفتها الأحداث والظروف قبل أن تكتشفها الأرقام الصادرة عن المؤسسات الإقتصادية والمالية لدولة ليبيا، ورددها المسؤولون في القطاعات العامة الليبية بصوت عالي، وبرهنت على صحتها الأزمات الإقتصادية المتتالية.

هناك فرق بين أن تكون الأرض غنية وأن تكون الدولة غنية. ليبيا أرضها غنية في (الفرص) مثل الفرص في الإستثمار في قطاع الطاقة من نفط وغاز وصناعات بترولية وطاقة الشمسية، والإستثمار في الأسماك، والإستثمار في قطاع السياحية الصحراوية والبحرية، وكذلك الفرص المواتيه للإستفادة الإقتصادية من الموقع الجغرافي المميز للبلد حيث بالإمكان إنشاء مطارات الربط الدولية ومواني التوزيع الإقليمي، والإستثمار في قطاع البينة التحتية العطش لدولة شابة، وكلها تعد غنى “إفتراضي” لم يتم تحويله إلى واقع نتيجة الظروف السياسية الغير مستقرة التي طالما واجهت البلاد مثل العقوبات والحروب المتتالية، وعدم إهتمام القادة السياسيون بالتنمية، وإنشغال النخبة التي تملك التأثير والقرار في اللعبة السياسية، وغيرها من العوامل، بما فيها غياب العقلية الإقتصادية والتنموية عن  تفكير معظم الساسة الليبيون منذ الأمس وإلى اليوم.

ثروة الأرض والموقع هو عبارة عن ثروة إفتراضية، ولكي تنعكس هذه الثروة على الشعب في ليبيا هناك حاجة إلى نظام سياسي مستقر وحكومة فعالة تكون لذيها القدرة على توجيه المؤسسات والشعب للعمل والإستثمار عن طريق تهئية القوانين واللوائح والمبادرات، وإعداد من يحميها وينفذها، بالإضافة إلى توفير البنية التحتية والظروف المناسبة للنشاط الإقتصادي. هذه الحكومة الغير موجودة الأن والتي ننشدها يتطلب منها أن تكون فعالة من ناحية الوصول لكل فرد ونشاط تجاري وتصنيفه، وفرض الضريبة المناسبة عليه وتحصيلها بدقة، وإعادة إستثمار قدر معلوم منها، وإعادة توزيع قدر أخر على الطبقات الإقتصادية المحتاجة. كل أرض غنية بحاجة لحكومة فعالة وقادرة من أجل تحويل غنى الأرض إلي غنى الناس، وغياب هذه الحكومة الفاعلة هو ما تفتقده ليبيا في الوقت الذي لم تفتقده دول أخرى مثل كندا وأمريكيا والإمارات وهولندا عند إكتشاف غنى الأرض التي أستوطنتها شعوبها وترجموها إلى غنى دولة وغنى شعب. إن الوسيط بين الأرض الغنية والشعب الفقير هي الحكومة الفاعلة والقادرة في ظل نظام سياسي مستقر وأمن وله سياسة خارجية حكيمة ورزينة، ومقصدنا بالوسيط هو الحكومة الفعالة والقادرة!

نستطيع القول بأن مسألة تنويع الإقتصاد والدخل في ليبيا تعد مفهوم صحيح قد يقود إلى نتيجة الباطل في هذه الفترة من تاريخ البلاد، وهي مسألة قد تجاوزتها النظريات وأقوال العلماء بعد دراسات خرجت لتشكك في صواب ودقة نظريات الإقتصاد الريعي، ولعله من الأنسب لليبيا الأن في مرحلتها المتأخرة إقتصادياً هو تجميع رأس مال كبير عن طريق الإستثمار بما حباها الله سبحانه وتعالى من خيرات في قطاعات معينة مثل الطاقة والموقع الإستراتيجي الخدمي والسياحة والثروة البحرية، وخصوصًا الإستثمار في قطاع الطاقة قبل فوات الأوان، وقبل إنهيار أسعار مخرجات هذه الموارد في السوق العالمي وتصبح لا فائدة في إستخارجها إلا للسباحة فيها. أن التخصص أصبح سمة من سمات نشاط الدول وبمثابة حصتها في الإقتصاد العالمي، والموارد الطبيعية لدولة ما تعطيها الميزة النسبية في السوق العالمي أمام منافسيها وتجني لها الأرباح بطريقة سريعة، أما مسألة تنويع الإقتصاد فهي تحتاج لمؤسسات إقتصادية وسياسية وثقافية نحن نفتقر إليها الأن، والإنتظار في سلم التفوق الإقتصادي ألى أن نضمن وجود تلك المؤسسات يعد كلام عبث، ولم يثبت تاريخيًا أن وضع الإقتصاد في حالة إنتظار إلى أن يتم بناء مؤسسات معينة، حيث أن الإقتصاد لا ينتظر وهي قاعدة عامة، وربما كان خيار التنويع الإقتصادي لمصادر دخل البلاد مناسب للمرحلة الثانية، أما الأن يجب التركيز على قطاع الطاقة لتخرج البلد من ورطة فقرها، مع إطلاق العنان للقطاع الخاص لكي يتنوع ويساهم في التخفيف عن الدولة في هذه المرحلة الإنتقالية، بشرط مراقبته لغرض حماية الناس من غطرسته المحتملة.

ليبيا ليست دولة غنية كما يشاع، وغني الأرض لا يعني غنى الدولة والشعب، خصوصًا في ظل غياب حكومة توجه المؤسسات والبشر للإنتاج حتى تتحول الثروة الغير مستغلة والمتمثلة في ما تحتويه الأرض والموقع إلى ثروة حقيقة تغني الدولة والناس. ليبيا حاليًا دولة متوسطة المستوى الإقتصادي وربما أقل من ذلك، ومع هذا يبقى لذيها الفرص أن تكون غنية إذا ما أستغلت موارد أكرمها بها الله سبحانه وتعالى مثل النفط والغاز، الطاقة الشمسية، الأسماك، السياحة البحرية، السياحة الصحراوية، مطارات الربط ومواني التوزيع، وبأسرع وقت ممكن من أجل الخروح من فقرها، وقبل أن تفقد هذه الإمكانيات الطبيعية قيمتها في السوق العالمي، وعندها سوف يكون العالم قد إجتاز بضاعت ليبيا وقد فاتها الأوان.

Abdurraouf Elakder Alyoncee

عبد الرؤوف عبد السلام الأخضر اليونسي طالب دكتوراه في السياسة المقارنة والسياسة العالمية بقسم الدراسات الدولية بجامعة كليرمونت للدراسات العليا بكاليفورنيا. تشمل اهتماماته قضايا النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة، والعقوبات الدولية، وقضايا البناء الدستوري والقانوني والبيروقراطي، ودراسات تقييم حيادية القضاء الدستوري والمحاكم العليا، ودراسات تحسين أداء الحوكمة المحلية وفاعلية المؤسسات السياسية وتأثيرها على الاقتصاد والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى