سياسة وتاريخ

ليبيا الحلقات المفرغة والصعوبات الإقتصادية

ليبيا الحلقات المفرغة والصعوبات الإقتصادية .. بالتأمل في طبيعة الأوضاع في ليبيا يتضح تمامًا بأن مشكلتها ليست سياسية صرفة، وحلها لا يتم عن طريق التغيير في أسماء القادة فقط، بل أن مشكلتها إقتصادية ويمتد جذورها إلى البنية الإدارية والمؤسساتية المشوهة، وما يرتبط بها من تواضع إداري، وفساد مالي، وغياب للعدالة في توزيع الثروة بين الليبيين. لا يتغير حال إنسان بتغيير معطفه فقط، بل يستلزم الأمر تغيير شامل لنمط حياته، أي لنظامه بأكمله. قد تضغط الأمم المتحدة لتغيير الرئيس أو الوزير أو النائب الليبي عدة مرات، ولكنها لن تنجح في تغيير الوضع المأساوي السائد في البلاد بهذه البساطة لأن المشكلة تكمن أساسًا في النظام السائد والغير محصن برمته وما أوجده من ثقافة فساد أفقرت البلاد ونكدت على العباد.
 
ليبيا الحلقات المفرغة .. جل الفساد المستشري في البلاد يستوطن في الإدارات الوسطى للمؤسسات الحكومية، ومتورطون فيه موظفون لا يعلم الناس عنهم شيئاً، ولا يعلمون حتى أسمائهم، وهذا الفساد يعد غير مرئي ويصعب على أي رئيس أو رئيس حكومة أو وزير تتبعه والوصول إلى دوائره. صحيح إن تغيير المسؤولين قد يساهم في الإصلاح وهو مطلب شعبي ملح، ولكن على الناس البحث عن وسيلة للإصلاح الإداري الشامل والذي يمس الأنظمة والقوانين، ويحصن هيكلية وبنية المؤسسات وربما يجددها، ويعزز الرقابة والمحاسبة فيها، وعليهم أن لا يكتفوا بعقد الآمال الكبيرة على مسألة تغيير أسماء الأشخاص فقط والتي تديرها البعثات الدولية.
 
إنَّ البنية الإدارية المؤسساتية المشوهة ربما قادرة على إفساد شيخًا تقيًا إذا ما وضعناه وزيرًا، أو على أقل تقدير لنقول بأنها قادرة أن تلقي عليه الشبهات وإن كان نزيهًا. على الناس أن يعلموا بأنه أينما وجدت الثغرات في الأنظمة وجد الفساد والضعف في الأداء الحكومي حيث تنتشر شبكات المصالح والنفوذ المتعاونة على الفاسدة في داخل أروقة المؤسسات المختلفة، وهي ما يطلقون عليها علميًا مصطلح الدوائر المفرغة. ولهذا فإن دول العالم التي تملك درجات شفافية عالية وأداء حكومي جيد تحصن نفسها بتحصين أنظمتها أولاً، ولا تثق في الأشخاص، ولا تترك مؤسساتها للحظ إذا ما كان المسؤول جيدًا ونزيهًا وتقيًا أو غير ذلك.
 
ليبيا الحلقات المفرغة .. النظام المحصن لا يثق في المسؤولين لأنه لا يثق بالبشر، بل يثق في قدراته على كبح جماح الأطماع المحتملة للمسؤولين والإغراءات المالية الجارفة في دوائر العمل الحكومي، وهذا من جانب التحصين، لا من جانب التخوين، وكما يقول المثل الشعبي الليبي، ” أمِّن ولا تكن خوان”، أي أمِّن حاجتك أفضل وأستر لك من أن تفقدها وتخون الناس بعد إتهامهم بسرقتها. كذلك هي المؤسسات تأمّن نفسها بنظام ذاتي قادر على حمايتها من الإنسان عن طريق نظام يضعه الإنسان، أما الإصلاح فيجب أن يطال القاع والوسط من الهرم، وليس رأسه فقط، أي يجب أن يطال الإصلاح مختلف مستويات الإدارات في المؤسسات السياسية والإقتصادية بدلاً من أن يقتصر على تغيير الرؤساء والوزراء والنواب فقط.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Abdurraouf Elakder Alyoncee

عبد الرؤوف عبد السلام الأخضر اليونسي طالب دكتوراه في السياسة المقارنة والسياسة العالمية بقسم الدراسات الدولية بجامعة كليرمونت للدراسات العليا بكاليفورنيا. تشمل اهتماماته قضايا النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة، والعقوبات الدولية، وقضايا البناء الدستوري والقانوني والبيروقراطي، ودراسات تقييم حيادية القضاء الدستوري والمحاكم العليا، ودراسات تحسين أداء الحوكمة المحلية وفاعلية المؤسسات السياسية وتأثيرها على الاقتصاد والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى